الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

إنكار حديث: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"(*)

مضمون الشبهة:

ينكر بعض المغرضين حديث: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»، زاعمين أنه يعارض نصوص القرآن الكريم التي جاءت بشأن التمتع بملاذ الدنيا، وذلك كما في قوله تعالى: )ولا تنس نصيبك من الدنيا( (القصص: ٧٧)، وقوله تعالى:)قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة( (الأعراف:٣٢).

فظاهر الآيات يدل على إباحة التمتع بالدنيا قدر المستطاع؛ فالتعارض واضح بين ما تدل عليه الآيتان، وما يشير إليه الحديث من ذم الدنيا، وجعلها شقاء وتعبا وعذابا وأغلالا وسجونا، وكلها أوهام باطلة؛ وعليه يكون هذا الحديث باطلا.

هادفين من وراء ذلك إلى الطعن في السنة النبوية وادعاء تناقضها مع القرآن.

وجه إبطال الشبهة:

·   إن حديث: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» صحيح؛ فقد رواه الإمام مسلم في صحيحه، وغيره من رواة الحديث، وقد جاء كاشفا القناع الزائف عن وجه الدنيا القبيح، وأظهر حقيقتها لدى كل من المؤمن والكافر؛ فالمؤمن وإن كان فقيرا أو بلغ من الغنى ما بلغ؛ فإنما دنياه هي كالسجن بالنسبة إلى ما أعده الله له في الآخرة من نعيم مقيم. أما الكافر وإن كان غنيا أو فقيرا، فإنما دنياه كالجنة بالنسبة إلى ما ينتظره في الآخرة من العذاب الأليم الدائم، وإذا كان هذا هو معنى الحديث؛ فليس فيه - إذن - ما يعارض آيات القرآن.

التفصيل:

مما لا شك فيه أن حديث «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»[1] حديث صحيح ثابت في كتب السنة النبوية؛ فقد أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه من هذا الطريق أيضا الإمام أحمد في مسنده[2]، وكذلك الترمذي في جامعه[3]، وابن ماجه في سننه[4]؛ وبهذا يكون الحديث صحيحا بهذا السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يطعن فيه أحد من نقاد الحديث بشبهة في سلسلة سنده.

 أما بالنسبة لمتن الحديث، فقد توهم بعض المغالطين أن فيه دلالة على أن المؤمن يجب عليه أن يعيش حياة بائسة كلها شقاء وتعاسة، لا يضحك ولا يفرح ولا يروح عن نفسه مطلقا، وهذا التوهم غير صحيح على إطلاقه هذا ألبتة؛ فإذا نظرنا إلى ما ذكره شراح الحديث بشأنه؛ تبين مدى شناعة ما توهمه الجاهلون، كما أنه لا تعارض مطلقا بين الحديث والآيات التي ذكروها، فالمراد من هذا الحديث هو بيان مكانة كل من المؤمن والكافر في الدنيا، بالمقارنة بين ما ينتظر المؤمن من النعيم المقيم في الآخرة، وما ينتظر الكافر من العذاب والشقاء الدائم في الآخرة، وقد جاءت أقوال العلماء كلها تدور حول هذا المعنى.

فقد قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: "قوله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»، معناه: أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم، والراحة الخالصة من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلته وتكديره بالمنغصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد"[5].

وقال الزمخشري: "أراد أنها للمؤمن كالسجن في جنب ما أعد له من المثوبة، وللكافر كالجنة في جنب ما أعد له من العقوبة.

وقيل: إن المؤمن صرف نفسه عن الملاذ وأخذها بالشدائد، فكأنه في السجن، والكافر أمرحها في الشهوات، فهي له كالجنة"[6].

فالحديث يهدف إلى حث المؤمن على عدم الانغماس في شهوات الدنيا وزينتها؛ فتبعده عن هدفه الأساسي الذي جاء إليها لتحقيقه، وهو عبادة الله، حيث قال تعالى: )وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56)( (الذاريات)؛ فالمؤمن في سجن إيمانه؛ أي: في قيد إيمانه الذي يرغبه عن شهوات النفس المحرمة، كما أنه يرغبه في العمل الصالح الذي ينفعه في الدنيا والآخرة.

قال ابن القيم: «الدنيا سجن المؤمن» فيه تفسيران:

أحدهما: أن المؤمن قيد إيمانه عن المحظورات، والكافر مطلق التصرف.

والآخر: أن ذلك باعتبار العواقب، فالمؤمن لو كان أنعم الناس، فذلك بالإضافة إلى مآله في الجنة كالسجن، والكافر عكسه؛ فإنه لما كان أشد الناس بؤسا، فذلك بالنسبة إلى النار جنته، فائدة المبالغة في المدح"[7].

ويؤكد هذا أيضا ما ذكره الشافعي المكي في تعقيبه على هذا الحديث قائلا: "أي بالنسبة لما أعد له من النعيم، «وجنة الكافر»؛ أي بالنسبة لما أعد له من العذاب، أو يقال: المؤمن ممنوع من شهواته المحرمة فكأنه في السجن، والكافر عكسه، فهي كالجنة له، قاله الشيخ أكمل الدين، وأشار إلى أنه من التشبيه البليغ: أي حذفت أداته وحمل المشبه على المشبه به؛ مبالغة وادعاء أنه من أفراده، لا استعارة؛ لأن شرطها طي ذكر المشبه أو المشبه به، وأشار بعضهم إلى أنه على حقيقته، وأن المؤمن لما عليه في الدنيا من التكاليف وتوالي المحن والمكابدات للهموم والغموم والأسقام وغير ذلك في سجن، وأي سجن أعظم من ذلك؟! ثم هو في السجن لا يدري بماذا يختم له من عمل، كيف وهو يتوقع أمرا لا شيء أعظم منه، ويخاف هلاكا لا هلاك فوقه، فلولا أنه يرتجي الخلاص من هذا السجن لهلك حالا، ولكن لطف الله به بما وعده على صبره، وبما كشف له من حميد عاقبة أمره، والكافر منفك عن تلك التكاليف، آمن من تلك المخاوف على لذاته، منهمك في شهواته، فهو كالأنعام، وعن قريب يستيقظ من هذه الأحلام، ويحصل في السجن الذي لا يرام.

وحكى القرطبي عن سهل الصعلوكي الفقيه الخراساني، وكان ممن جمع رياسة الدين والدنيا: أنه كان في بعض مواكبه ذات يوم؛ إذ خرج عليه يهودي من إيوان حمام، وهو بثياب دنسة وصفة نجسة، فقال: أنتم تزعمون أن نبيكم قال: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر»، وأنا عبد كافر وترى حالي، وأنت مؤمن وترى حالك؟! فقال له على الفور: إذا صرت غدا إلى عذاب الله كانت هذه الجنة لك، وإذا صرت أنا إلى النعيم ورضوان الله، صار هذا سجني، فعجب الخلق من فهمه وسرعة جوابه"[8].

وهذا الحديث يعد من الأخبار التي جاءت في ذم الدنيا، وقد ترادفت الآيات وتواترت الآثار بذم الدنيا وزينتها، ومدح التقلل منها والإعراض عنها، والزهد فيها وفي لذاتها. قال تعالى: )زين للناس حب الشهوات من النساء...( (آل عمران: ١٤)، وقال تعالى: )كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185)( (آل عمران: ١٨٥)، وقال تعالى: )وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64)( (العنكبوت)، وقال تعالى: )بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى (17)( (الأعلى)، إلى غير ذلك من الآيات.

وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم»[9]. وقال الحافظ ابن الجوزي - رحمه الله: واعلم أن خلقا كثيرا سمعوا ذم الدنيا ولم يفهموا المذموم، وظنوا أن الإشارة إلى هذه الموجودات التي خلقت للمنافع من المطاعم والمشارب، فأعرضوا عما يصلحهم منها فتجففوا فهلكوا، ولقد وضع الله - سبحانه وتعالى - في الطباع توقان النفس إلى ما يصلحها، فكلما تاقت منعوها؛ ظنا منهم أن هذا هو المراد، وجهلا بحقوق النفس، وعلى هذا أكثر المتزهدين... واعلم كذلك أن الأرض خلقت مسكنا، وما عليها ملبس ومطعم ومشرب ومنكح. وقد جعلت المعادن فيها كالخزائن، فيها ما يحتاج إليه، والآدمي محتاج إلى ذلك لصلاح بدنه الذي هو كالناقة للمسافر، فمن تناول ما يصلحه لم يذم، ومن أخذ فوق الحاجة بكف الشره وقع الذم لفعله، وأضيف إلى الدنيا تجوزا، وليس للشره وجه؛ لأنه يخرج إلى الأذى، ويشغل عن طلب الأخرى، فيفوت المقصود ويضر بمثابة من أقبل يعلف الناقة، ويبرد لها الماء، ويغير عليها أنواع الثياب، وينسى أن الرفقة قد سارت، فإنه يبقى في البادية فريسة السباع هو وناقته، ولا وجه في التقصير في تناول من الدنيا؛ لأن الناقة لا تقوى على السير إلا بتناول ما يصلحها... وإذ قد عرفت المذموم من الدنيا، فكن قائما بالقسط لا تأخذ فوق ما يصلحك، ولا تمنع نفسك حظها الذي يقيمها، كان بعض السلف يقول: إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا فقدنا صبرنا صبر الرجال[10].

فالإعمار مطلوب في الدنيا، فعلى قدر عمل الإنسان للخيرات، وإكثاره للأعمال التي تقربه من الله تعالى؛ يحصل المؤمن على الجنة والفلاح والنجاح، والقرآن كثيرا ما حث على هذا؛ فقد قال تعالى: )فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (15)( (الملك)، فالحديث لم يقصد أبدا تقييد المؤمن من كل خيرات الدنيا، بل مقصود الحديث - والإسلام عموما - هو الإقبال على خيرات الدنيا التي أحلها الله - سبحانه وتعالى - لعباده؛ حتى تعينهم على طاعته سبحانه وتعالى، دون إسراف أو مخيلة[11]، وقد بين - سبحانه وتعالى - ذلك فقال: )وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (31)( (الأعراف).

"قال ابن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة، فأما ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ، فمندوب إليه عقلا وشرعا؛ لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس؛ ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال - أي في الصوم؛ لأنه يضعف الجسد، ويميت النفس، ويضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه الشرع ويدفعه العقل. وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر، ولا نصيب من زهد؛ لأن ما حرمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا" [12].

وقول الله تعالى: )قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة( (الأعراف: ٣٢)، "قيل في معناه: إن الطيبات من الرزق خالصة يوم القيامة من التنغيص والغم للمؤمنين، فإنها لهم في الدنيا مع التنغيص والغم"[13].

وهذا يقتضي أن يكون غير المؤمنين مشتركين معهم في ملذات الدنيا إلا أن الأمر يختلف بالنسبة للاثنين، فالمؤمن يتمتع بنعم الله في نطاق إيمانه، وعليه فهو محكوم بألا يفرط أو يفرط، وهو بذلك مضيق عليه، كأنه في سجن - كما جاء في الحديث الذي معنا - أما غير المؤمن فإنه يترك العنان لنفسه وهواه، فهو في جنة بالقياس بما ينتظره من جحيم يوم القيامة.

وعليه؛ فالحديث لا يعارض الآية؛ لأنه ليس دعوة لترك الدنيا مطلقا، بل هو حث على الزهد المأثور به في الدنيا، وهذا إنما يكون بالقلب؛ بمعنى ألا يكون للدنيا قدر عند المؤمن، ولا له إليها التفات، ولا هي أكبر همه، وأما كونه ينتفع بها فيما أذن الله فيه، وهي محقورة، غير مهتم بها، فذلك من المحاسن[14]، وبذلك فلا تعارض بين الحديث وهذه الآية الكريمة.

وأما قوله تعالى مخاطبا قارون: )وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا( (القصص: ٧٧)، فهي تؤكد ما سبق، قال ابن عاشور في تفسير هذه الآية:

"أي: لا نلومك على أن تأخذ نصيبك من الدنيا؛ أي الذي لا يأتي على نصيب الآخرة، وهذا احتراس في الموعظة؛ خشية نفور الموعوظ من موعظة الواعظ؛ لأنهم لما قالوا لقارون: )وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة( أوهموا أن يترك حظوظ الدنيا، فلا يستعمل ماله إلا في القربات، فأفيد أن له استعمال بعضه فيما هو متمحض لنعيم الدنيا إذا آتى حق الله في أمواله. فقيل: أرادوا أن لك أن تأخذ ما أحل الله لك"[15].

وقد ذكر الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه: "قوله تعالى: )ولا تنس نصيبك من الدنيا( اختلف فيه; فقال ابن عباس والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك; إذ الآخرة إنما يعمل لها, فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها، فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة، وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال، وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك، فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به، وإصلاح الأمر الذي يشتهيه. هذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة؛ قاله ابن عطاء.

قلت: وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله: احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا, واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، وعن الحسن: قدم الفضل, وأمسك ما يبلغ، وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرف، وقيل: أراد بنصيبه الكفن، فهذا وعظ متصل; كأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك هذا الذي هو الكفن، ونحو هذا قول الشاعر:

نصيبك مما تجمع الدهر كله

رداءان تلوى فيهما وحنوط

وقال آخر:

وهي القناعة لا تبغي بها بدلا

فيها النعيم وفيها راحة البدن

قال ابن العربي: وأبدع ما فيه عندي قول قتادة: ولا تنس نصيبك الحلال, فهو نصيبك من الدنيا، ويا ما أحسن هذا.

)وأحسن كما أحسن الله إليك( (القصص: ٧٧)؛ أي: أطع الله واعبده كما أنعم عليك"[16].

وعليه؛ فهذه الآية - إذن - ليس فيها ما يعارض الحديث أو يبطله كما ادعى المغرضون.

ومن خلال ما سبق يتضح أن الحديث لا يعارض القرآن على الإطلاق؛ فالحديث والقرآن يخرجان من مشكاة واحدة، وكل ما أشار إليه الحديث: هو التحذير من الدنيا والافتتان بنعيمها الذي مهما كثر عند المؤمن، فهو ليس بشيء لما ينتظره من نعيم في الآخرة، وعلى العكس من ذلك حال الكافر الذي لو اطلع على ما ينتظره من جحيم في الآخرة، لعلم أن هذه الدنيا التي يعيشها مهما كانت فهي جنته الوحيدة البالية، التي لا يطول وقتها حتى تنقلب إلى السجن الأبدي.

وقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا - من أهل النار - يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب!، ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا - من أهل الجنة - فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط»[17].

وليس من الضروري أن يكون المؤمن فقيرا حتى يدخل الجنة، فيا حبذا الغني الشاكر الذي يتقي الله في أمواله، وينفقها فيما أحل له، ويبتعد عما حرم عليه، فتكون دنياه كالسجن، بالنسبة لما ينتظره عند الله في الآخرة من نعيم مقيم لا يزول أبدا، وربما يكون الكافر فقيرا جدا في دنياه، فتكون دنياه جنة على هذه الحال، بالنسبة للعذاب الدائم الذي أعده الله له يوم القيامة.

وهكذا يتضح أن حديث:«الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» حديث صحيح، ولا تعارض بينه وبين القرآن الكريم.

فالحديث جاء مبينا لحقيقة هذه الدنيا، والفرق في ذلك عند كل من المؤمن والكافر؛ فهو في ذم حالها وليس لتحريم طيباتها، وإن كان الأمر كذلك، فأين التعارض إذا؟!

الخلاصة:

·   إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يترك خيرا قط إلا وبينه ونبه عليه، ولم يترك شرا قط إلا وحذر منه؛ حرصا منه - صلى الله عليه وسلم - على ما فيه صلاح الأمة ونجاتها ورشدها.

·   إن حديث: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» بيان منه - صلى الله عليه وسلم - لحقيقة الدنيا، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه، وغيره من المحدثين، وليس فيه ما يحرم الطيبات التي أحلها الله، أو التحجير على من أرادها، كما ادعى الواهمون.

·        لقد جاء الحديث في ذم الدنيا مثله في ذلك كثير من الأخبار والآثار التي جاءت في مثل هذا الباب، والذي دل عليه القرآن الكريم في غير آية، قال تعالى: )أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (38)( (التوبة)، وقال تعالى: )وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64)( (العنكبوت)، إلى غير ذلك من الآيات والأخبار التي جاءت في ذم الدنيا.

·        الحديث يوضح مكانة الدنيا عند كل من المؤمن والكافر، بالنظر إلى مآل كل منهما في الآخرة.

·   المؤمن مهما كان متنعما بما آتاه الله من النعم في دنياه، فهذا كالسجن بالنسبة إلى مآله في جنة الآخرة. أما الكافر، وإن كان أشد الناس بؤسا وفقرا في الدنيا، فتلك هي جنته بالنسبة إلى ما ينتظره من العذاب الأليم في الآخرة.

·   إن كان الحديث ذما في الدنيا؛ فليس هذا باعثا إلى الإعراض عن الانتفاع بمنافعها وطيباتها، بل يجب الأخذ منها بالقسط، وهذا بيان لحقيقة الدنيا منه صلى الله عليه وسلم، وليس لتحريم طيباتها.

 



(*) تحرير العقل من النقل، سامر إسلامبولي، مطبعة الأوائل، دمشق،2001م، 1999م.

[1]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الزهد والرقائق، (9/ 4058)، رقم (7283).

[2]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، (16/ 126)، رقم (8272). وصححه شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند.

[3]. صحيح: أخرجه الترمذي في سننه (بشرح تحفة الأحوذي)، كتاب: الزهد، باب: ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، (6/ 506)، رقم (2426). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (2324).

[4]. صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب: الزهد، باب: مثل الدنيا، (2/ 1378)، رقم (4113). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه برقم (4113).

[5]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (9/ 4068).

[6]. الفائق في غريب الحديث، الزمخشري، المكتبة العصرية، بيروت، ط1، 1426م/ 2005م، (2/ 168).

[7]. بدائع الفوائد، ابن القيم، تحقيق: هشام عطا وآخرين، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط1، 1416هـ/ 1996م، (2/ 696).

[8]. دليل الفالحين لطريق رياض الصالحين، الشافعي الأشعري المكي، دار البيان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (2/ 406).

[9]. حسن: أخرجه الترمذي في سننه (بشرح تحفة الأحوذي)، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله، (6/ 504)، رقم (2322). وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (2322).

[10]. غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، محمد بن أحمد السفاريني، مؤسسة قرطبة، القاهرة، ط2، 1414هـ/ 1993م، (2/ 545: 548) بتصرف.

[11]. المخيلة: الكبر.

[12]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، (7/191).

[13]. معالم التنزيل، البغوي، تحقيق: محمد عبد الله النمر وآخرين، دار طيبة، الرياض، ط2، 1417هـ/ 1997م، (3/ 225).

[14]. نظم الدرر، البقاعي، (3/ 199) بتصرف.

[15]. التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور دار سحنون، تونس، د. ت، (20/ 179).

[16]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، (13/ 314).

[17]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: صفة المنافقين وأحكامهم، باب: صبغ أنعم أهل الدنيا في النار وصبغ أشدهم بؤسا في الجنة، (9/ 3924)، رقم (6955).

مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 



 

سلسلة الحوار الحق



برنامج شواهد الحق



برنامج أجوبة الإيمان



برنامج حقائق وشبهات



برنامج الرد الجميل



مناظرات أحمد ديدات



التوراة والإنجيل والقرآن



حقائق قرآنية



لماذا أسلمت



آيات القرآن ودلائل القدرة



صيحة تحذير



لماذا أسلموا



علماء مسلمون



محمد الرسالة والرسول



محمد المثل الأعلى



  المتواجدون الآن
6321
  إجمالي عدد الزوار
3390835

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي

CopyRight BayanElislam
  Design and Development by Www.GoldenDeveloper.Com