مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

الطعن في حديث الرجل الذي قتل مائة نفس(*)

مضمون الشبهة:

يطعن بعض المشككين في حديث توبة الله - عز وجل - على رجل قتل مائة نفس، مع أنه لم يعمل خيرا قط، مستدلين على ذلك بأن المتأمل في حال هذا الرجل يجده رجلا يائسا، والتوبة لا تصح من التائب إلا إذا كان راجيا نادما طامعا في رحمة الله - عز وجل - مع القيام بالوسائل المؤدية إلى ذلك، ثم إن مدلول هذا الحديث يتناقض مع مفهوم قوله تعالى: )ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93)( (النساء).

رامين من وراء ذلك إلى التشكيك فيما أخبرت به السنة النبوية، والزعم بأنها مخالفة لحقائق القرآن.

وجها إبطال الشبهة:

1) إن حديث قاتل المائة نفس حديث صحيح، فقد رواه الشيخان في صحيحيهما، وغيرهما من الأئمة، ولم يكن هذا القاتل يائسا من رحمة الله؛ لأنه لما قتل تسعة وتسعين نفسا أنبته نفسه على ذلك وندم وتوجه راجيا التوبة على يد عالم، فلما دل على عابد وآيسه من رحمة الله قتله فأتم به المائة، ولم ييأس وواصل البحث عمن يستفتيه حتى دل على عالم، مما يؤكد أنه لم ييأس من رحمة الله، بل واصل البحث مرارا وتكرارا.

2) ليس هناك تناقض بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: )ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم(؛ لأن الحديث صريح جدا في قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله، أما الجزاء بالخلود في النار على قاتل العمد في الآية، فهو ثابت لمن مات ولم يتب من قتله مع استحلاله له، وإن لم يكن مستحلا للقتل ودخل النار، فسيخرج منها؛ لأن الخلود في الآية لا يعني به الدوام، بل المقصود منه المكث الطويل.

التفصيل:

أولا. حديث قاتل المائة نفس صحيح، ومضمونه يفيد قيام القاتل عند إرادة التوبة بلوازمها:

يثير كثير من المشككين حول سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - شكوكا جمة، تطعن في ثبوتها وصحتها، وذلك بردهم لها بتأويلات عقلية اخترعوها من عند أنفسهم، بعيدة عن الحق قريبة من الهوى، ومن خلال ذلك ردوا كثيرا من الأحاديث الصحيحة، بل المتفق عليها، وقد حام القوم حول قصة قصها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل من بني إسرائيل قتل مائة نفس، وقاسوها على عقولهم وما تخيلوها، فردوا بذلك هذا الحديث؛ والذي نصه: «كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبا فسأله، فقال له: هل من توبة؟ قال: لا. فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له»[1].

وهذا الحديث صحيح متفق على صحته، فلا مجال للطعن فيه.

·       البحث عن التوبة ورجاء المغفرة كانت وجهة هذا الرجل:

أصل التوبة في "اللغة": الرجوع، يقال: تاب وثاب بالمثلثة، وآب وأناب، بمعنى: رجع، والمراد بـ"التوبة" الرجوع عن الذنب. والتوبة لها ثلاثة أركان: الإقلاع عن الذنب والندم على فعل تلك المعصية، والعزم على ألا يعود إليها أبدا، فإن كانت المعصية لحق آدمي؛ فلها ركن رابع، وهو التحلل من صاحب ذلك الحق، وأصلها الندم، وهو ركنها الأعظم، واتفق العلماء على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور، لا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة.

والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة[2].

وقد رغب القرآن الكريم في التوبة وقبولها ما دام الإنسان لم يصل إلى حد الغرغرة، قال عز وجل: )وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات( (الشورى: ٢٥)، وقال: )وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار( (النساء: ١٨).

وكذلك رغبت السنة النبوية في التوبة وقبولها، وأشارت إلى فرح الله - عز وجل - بتوبة التائبين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن، من رجل في أرض دوية[3] مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام، فاستيقظ، وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده»[4].

ومن تأمل حديث قاتل المائة نفس يجده من باب الترغيب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قبول التوبة، مع توفر شروطها، وقد توفرت شروط التوبة في هذا القاتل من حيث الندم على فعله الذي بلغ غايته، وإقلاعه عن القتل، وعزمه ألا يعود لذلك.

فهذا الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا قد ندم على ذلك، وسأل عن أعلم أهل الأرض - إذن هو بذلك لم يكن يائسا كما يدعي الطاعنون في الحديث - فدل على راهب، ولما حكى له قصة القتل، آيسه من قبول التوبة؛ لأنه لا علم عنده، فلما كان الرجل راغبا في الوصول إلى التوبة ومغفرة الله، قتل هذا الراهب الذي آيسه من رحمة الله، فأكمل به مائة نفس، ولا يزال الرجل قاصدا الله - عز وجل - وراجيا رحمته ومغفرته، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عالم، فأخبره أنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فأخبره أن نعم، من يحول بينك وبين التوبة - أي قبولها؟ ولم يكتف هذا العالم بذلك الجواب بل دله على الوسيلة التي يتحقق بها ذلك، فأرشده إلى الذهاب إلى القرية الفلانية، لماذا؟ لأن بها قوما يعبدون الله فاعبد الله معهم، واترك قريتك فإنها أرض سوء، فأمره بالهجرة بدينه، فامتثل للأمر وتوجه نحو تلك القرية راجيا تائبا، لكنه مات قبل أن يصل إليها، وقبضته ملائكة الرحمة؛ لأنه جاء نادما تائبا راجيا[5].

كل هذا إن دل فإنما يدل على أن الرجل لم يكن يائسا من رحمة الله ومغفرته، ولو كان كذلك لما قام بالبحث والتقصي عن عالم يرشده إلى الصواب ويلتمس الهدى عنده، ولما سعى إلى القرية التي دل عليها ليعبد الله فيها.

فقاتل المائة إذن لم يكن يائسا من التوبة كما يزعمون، بل راجيها، فقد طلبها مرارا وتكرارا.

وإن ما ورد في بعض الأخبار أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، فهي واردة في معرض الزجر عن اليأس من رحمة الله، والترغيب في التوبة ما دام الإنسان حيا. وهو الواجب على المسلم؛ إذ هو قبل الغرغرة مكلف بجميع الأحكام الشرعية بشروطها، ومنها: وجوب التوبة إذا كان عاصيا.

قال تعالى: )إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار( (النساء: 17ـ 18).

وهب أن الكتاب العزيز لم يبين هذه المسألة بهذا الإيضاح الذي نراه في الآيتين، بل وكلها إلى أفهام الناس وعقولهم، فهل يتصور عقلك أن التوبة تتحقق ممن حضره الموت وأيقن بمفارقة الدنيا؟ أليس معنى التوبة الرجوع عن المعصية إلى الطاعة مع التأسف على ما مضى، والعزم على الاهتداء والاستقامة فيما يأتي؛ طوعا واختيارا لطاعة الله على معصيته.

وهل هذا معقول ممن حضره الموت؟[6] فهذا هو الآيس الذي لا تقبل توبته.

أما قاتل المائة فإنه لم يشرف حينها على الهلاك بل كان أمل التوبة يراوده؛ إذ إنه دل على راهب، ولما أخبره بأنه لا توبة له قتله، ولم ييأس وسأل الناس ثانيا، حتى دل على عالم، ولما علم أن له توبة أخذ بالأسباب المؤدية لذلك، فترك بلدة المعصية راحلا إلى بلدة الطاعة.

ولو كان هذا الرجل قد وصل إلى درجة اليأس ما ترك بلدة المعصية ذاهبا إلى بلدة يعبد ربه فيها، ويبدأ بها صفحة جديدة، فقبل الله توبته.

قال الله عز وجل: )والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135)( (آل عمران). قال علقمة والأسود: قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: في كتاب الله - عز وجل - آيتان ما أذنب عبد ذنبا فقرأهما واستغفر الله - عز وجل - إلا غفر الله تعالى له، وهما قوله تعالى: )إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم( (آل عمران: ١٣٥) الآية، وقوله عز وجل: )ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110)( (النساء)، وقال عز وجل: )فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3)( (النصر)[7].

ثم إن الحكمة من بعثة الرسل وإنزال الشرائع هي إصلاح الأرواح وترقيتها بالإيمان الصحيح، والعمل النافع؛ ليصلح حال الناس في الدنيا ويكونوا أهلا لجوار الله تعالى في الآخرة مع أصحاب الأرواح العالية من الملائكة والنبيين، والتوبة من الكفر أو من المعاصي عند حضور الموت لا تفيد صاحبها شيئا، فالندم عند استقبال الآخرة كالندم في الآخرة لا يفيد؛ لأن العمل قد فات، ولكن من يتوب قبل حضور الموت؛ أي قبل الشعور بنزوله به، ويأسه من الحياة - فلا بد أن تكون نفسه قد أعرضت عن باطلها الأول، وأذعنت بقبحه وتوجهت إلى الحق والخير، وهي ترجو العمل به لأملها الوحيد، وهذا صفاء في النفس، وارتقاء عن طبقة الأشرار وإن عاجلها الموت ولم تتمكن من العمل الصالح الذي توجهت إليه، ولكنها لا تكون في مرتبة الذين عملوا الصالحات: )أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21)( (الجاثية).

لذا قبل الله تبارك وتعالى توبة هذا الرجل الذي حاول مرارا وتكرارا، وأخذ بالأسباب، ولو كان يائسا ما فعل ذلك، وبه تبطل هذه الشبهة، ويسقط قولهم بأنه آيس من رحمة الله؛ بل ثبت أنه على العكس من ذلك.

ثانيا. صحة توبة القاتل، وعدم خلوده في النار إن لم يكن مستحلا للقتل:

ليس هناك تعارض بين آية النساء: )ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها( والتي هي وعيد لقاتل النفس، عمدا بالخلود في النار وبين هذا الحديث أو آيات قبول التوبة.

فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المذنب مهما كان ذنبه فإنه يغفر له إلا إذا استحل هذا الذنب، فإنه يصير بذلك كافرا، قال صاحب الطحاوية: "ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله"، وبذلك يخرج من دين الإسلام، فإن كان قوله أو فعله مطابقا لحقيقة نيته واعتقاده كان كافرا في الدنيا والآخرة، فيعامل بأحكام الكفار في الدنيا، وتطبق عليه أحكام الردة، والتي من أهمها الاستتابة، ثم القتل إن لم يتب، فيكون من المخلدين في نار جهنم إن مات على هذه الحال.

وأما إذا أذنب المؤمن وقال قولا أو فعل فعلا يعد في الشرع معصية لله - عز وجل - فلا يكون هذا بمجرده دليلا على خروجه من الإيمان، وإن لم يتب منه، إن لم يكن فيه ما يدل على نقضه الشهادتين أو إحداهما، وهو في مشيئة الله إن شاء عذبه بذنبه ومعصيته وأدخله النار، ثم مآله إلى الجنة؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الدالة على أن الله يخرج من النار من مات وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان، وإن شاء الله غفر له، ولم يعذبه، وأدخله الجنة بغير عذاب في النار، فإن الله - سبحانه وتعالى - يقول: )إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء( (النساء: ٤٨)[8].

إذن فالقتل وإن كان كبيرة من الكبائر؛ إلا أنه مغفور بقيام القاتل بالتوبة إلى الله والإنابة إليه، ومن خلال ذلك فإن من تاب من القتل غفر الله له، ومن مات ولم يتب من ذلك، فهو في المشيئة، وإن مات وهو مستحل له، فهو كافر يخلد في النار.

ويقول الإمام ابن كثير: قوله تعالى: )إلا من تاب وآمن وعمل صالحا( أي: جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر )إلا من تاب( أي: في الدنيا إلى الله - عز وجل - من جميع ذلك، فإن الله يتوب عليه، وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه الآية وبين آية النساء: )ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93)( (النساء)، فإن هذه وإن كانت مدنية إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب؛ لأن هذه مقيدة بالتوبة، ثم قد قال تعالى: )إن الله لا يغفر أن يشرك به( (النساء: ٤٨)، وقد ثبتت السنة الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصحة توبة القاتل كما ذكر مقررا من قصة الذي قتل مائة رجل، ثم تاب فقبل الله توبته، وغير ذلك من الأحاديث[9].

ويقول الإمام النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "إن رجلا قتل تسعا وتسعين نفسا، ثم قتل تمام المائة، ثم أفتاه العالم بأن له توبة "، هذا مذهب أهل العلم، وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدا، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس.

وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا، فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة، لا أنه يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيه، وهو وإن كان شرعا لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف، فليس موضع الخلاف، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك، وهذا قد ورد شرعنا به، وهو قوله تعالى: )والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب( (الفرقان)[10].

وحمل جماعة مراد ابن عباس على قصد التهويل والزجر؛ لئلا يجترئ الناس على قتل النفس عمدا ويرجون التوبة، ويعضدون ذلك بأن ابن عباس روي عنه أنه جاءه رجل فقال: ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة؟ فقال: "لا إلا النار"، فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا، فقد كنت تقول: إن توبته مقبولة؟ فقال: "إني لأحسب السائل رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا" قال: فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك. وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - يفتي بتوبة قاتل المؤمن؛ فقد صح عنه كما في الأدب المفرد بسند صحيح عن عطاء بن يسار قال: «عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه أتاه رجل، فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه؛ فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمك حية؟ قال: لا. قال: تب إلى الله - عز وجل - وتقرب إليه ما استطعت. فذهبت فسألت ابن عباس، لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله - عز وجل - من بر الوالدة»[11].

وكان ابن شهاب إذا سأله من لم يقتل، وتوسم من حاله أنه يحاول قتل نفس قال له: لا توبة للقاتل[12].

معنى الخلود في الآية المكث الطويل الدائم:

المراد بالخلود المذكور في الآية عند جمهور علماء السنة طول المكث في النار لأجل قتل المؤمن عمدا؛ لأن قتل النفس ليس كفرا بالله ورسوله، ولا خلود في النار إلا للكفر، على قول علمائنا من أهل السنة، فتعين تأويل الخلود بالمبالغة في طول المكث، وهو استعمال عربي. قال النابغة في مرض النعمان بن المنذر:

ونحن لديه نسأل الله خلده

يرد لنا ملكا وللأرض عامرا[13]

وقال الإمام الشعراوي - رحمه الله - قوله عز وجل: )فجزاؤه جهنم خالدا فيها( هل الخلود هو المكث طويلا أو على طريقة التأبيد؛ بمعنى أن زمن الخلود لا ينتهي؟ - ولو أن زمن الخلود لا ينتهي لما وصف الحق المكث في النار مرة بقوله: )خالدين فيها(، ومرة أخرى بقوله: )خالدين فيها أبدا(، وهذا القول يدل على أن لفظة التأبيد في (أبدا) فيه ملحظ يزيد على معنى الخلود دون تأبيد، وإذا اتحد القولان في أن الخلود على إطلاقه يفيد التأبيد، وأن )خالدين فيها أبدا( تفيد التأبيد أيضا، فمعنى ذلك أن اللفظ (أبدا) لم يأت بشيء زائد.

والقرآن كلام الله، وكلام الله منزه عن العبث أو التكرار؛ إذن الخلود هو المكث الطويل، والخلود أبدا هو المكث طويلا طولا لا ينتهي، وعلى ذلك يكون لنا فهم؛ فكل لفظ في القرآن محكم له معنى، ثم إن كلمة "خالدين" حين وردت في القرآن، فإننا نجد الحق سبحانه يقول في خلود أهل النار: )يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107)( (هود).

والاستثناء لابد له من زمن، فلا نأخذ الخلود بمعنى التأبيد، ولكن الخلود هو زمن طويل[14].

ومما سبق تبين أن قاتل النفس إذا دخل النار فإنه لا يخلد فيها، وإن تاب منه قبل موته تاب الله عليه، ذلك أن القرآن الكريم قد أشار إلى توبة القاتل، وذلك مما يؤكد أن حديث قاتل المائة نفس دليل واضح وصريح في قبول التوبة من القاتل، قال تعالى: )والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70)( (الفرقان).

ويضيف الإمام النووي قائلا: وأما قوله تعالى: )ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها( (النساء: ٩٣)، والصواب في معناها: أن جزاءه جهنم، وقد يجازى به، وقد يجازى بغيره، وقد لا يجازى، بل يعفى عنه، فإن قتل عمدا مستحلا له بغير حق ولا تأويل، فهو كافر مرتد، يخلد به في جهنم بالإجماع، وإن كان غير مستحل، بل معتقدا تحريمه، فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة، جزاؤه جهنم خالدا فيها، لكن بفضل الله - عز وجل - ثم أخبر أنه لا يخلد من مات موحدا فيها، فلا يخلد هذا، ولكن قد يعفى عنه، فلا يدخل النار أصلا، وقد لا يعفى عنه، بل يعذب كسائر العصاة الموحدين، ثم يخرج معهم إلى الجنة، ولا يخلد في النار، فهذا هو الصواب في معنى الآية، ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء، وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم، وإنما فيها أنها جزاؤه، أي: يستحق أن يجازى بذلك[15].

ومن خلال ما سبق يتبين أن حديث قاتل المائة لا يتعارض مع قوله تعالى: )ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها( (النساء: ٩٣)؛ لأن القاتل وإن كان مرتكب كبيرة، إلا أنه إذا تاب وندم على ما فعل يغفر الله له؛ والحديث صريح جدا في إثبات توبة القاتل وإن كثر قتله ومغفرة الله له، والآية تحمل على ما إذا كان القاتل مستحلا للقتل، أما إذا مات ولم يتب فأمره إلى الله، وإن دخل النار فلا يخلد فيها؛ لأن الخلود في الآية يعنى به المكث الطويل لا الدائم؛ لأنه ثبت في الحديث النبوي[16] أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان.

الخلاصة:

·        إن حديث قاتل المائة نفس حديث صحيح أخرجه الشيخان في صحيحيهما، وهو بذلك في أعلى درجات الصحة سندا ومتنا.

·        وقاتل المائة لما بلغ من القتل غاية كبرى وأشرفت نفسه على الهلاك عاد إلى شعوره، وندم وتوجه إلى الله راجيا منه التوبة، واتخذ كل السبل الموصلة إلى مغفرة الله ورحمته، ولم يكن يائسا، وإلا لما سأل عن العلماء ليستفتيهم في أمره، ولما رحل عن القرية التي هو فيها إلى قرية أخرى ليعبد الله، ولو لم يتب الله عليه لما قبضته ملائكة الرحمة دون ملائكة العذاب.

·        إن القاتل تصح توبته عموما، إذا ندم ورجع إلى الله، وعلى ذلك فإن حديث قاتل المائة صريح جدا في قبول التوبة من العاصي القاتل، وإن كثر قتله، ما لم يكن مستحلا لذلك، وإن تاب قبل الله منه، وإن مات ولم يتب، فهو تحت المشيئة إن شاء عذبه الله وإن شاء غفر له.

·        إن الخلود المذكور في قوله تعالى: )ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها( (النساء: ٩٣)، المقصود منه المكث الطويل، لا الخلود الدائم؛ لأنه جاء في آيات أخرى تتحدث عن خلود الكافرين في النار بذكر كلمة "أبدا"، مما يؤكد الفرق بين "خالدين فيها"، و"خالدين فيها أبدا"، وفي آية أخرى استثنى من الخلود في النار بقوله: )إلا ما شاء ربك( (هود: ١٠٧).

·        وعلى هذا الفهم للحديث الشريف والآية الكريمة، فلا يوجد تعارض بينهما؛ لأن قاتل المائة قد تاب وغفر الله له ورحمه بشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقاتل المؤمن عمدا المذكور في الآية يدخل النار إن مات ولم يتب من ذنبه، ومع ذلك لا يخلد فيها، إن لم يكن مستحلا للقتل، وإن لم يتب فإنه يموت فاسقا عاصيا، يدخل النار مع عصاة الموحدين، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين.

 



(*) ضلالات منكري السنة، د. طه الدسوقي حبيشي، مكتبة رشوان، القاهرة، ط1، 1417هـ/ 1996م.

[1]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: (54)، (6/ 591)، رقم (3470). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، (9/ 3867)، رقم (6875).

[2]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (9/ 3849) بتصرف.

[3]. الدوية: البرية التي لا نبات فيها.

[4]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: التوبة، باب: في الحض على التوبة والفرح بها، (9/ 3847)، رقم (6822).

[5] . شرح رياض الصالحين، محمد بن صالح العثيمين، (1/ 24) بتصرف.

[6]. مجلة المنار، محمد رشيد رضا، (7/ 895).

[7]. إحياء علوم الدين، الغزالي، المطبعة النموذجية، القاهرة، 1982م، ص1020، 1021.

[8]. عقيدة أهل السنة والجماعة، أحمد فريد، مكتبة فياض، القاهرة، 2005م، ص13، 14 بتصرف.

[9]. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1400هـ/ 1980م، (3/ 327).

[10]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (9/ 3869، 3870).

[11]. صحيح: أخرجه البخاري في الأدب المفرد، كتاب: الوالدان، باب: بر الأم، (1/ 15)، رقم (4). وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد برقم (4).

[12]. التحرير والتنوير، ابن عاشور، دار ابن سحنون، تونس، (5/ 165).

[13]. التحرير والتنوير، ابن عاشور، دار ابن سحنون، تونس، (5/ 165).

[14]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، مطابع أخبار اليوم، (4/ 2551، 2554) بتصرف يسير.

[15] . شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (9/ 3870).

[16]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: التوحيد، باب: كلام الرب ـ عز وجل ـ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، (13/ 481)، رقم (7510).

مواضيع ذات ارتباط
أين التوبه النصوحه وهو قام بقتل أخر رجل رقم 100 زائر
لما هو هذد القاتل كان عايز يتوب إزاى قتا أخر واحد يأسه من التوبه ؟ لو التوبه صحيحه من قلبه مكنش يقابله واحد يقوله كلام ميجيش على هواه يروح قاتله ويكون رقم 100

شكر زائر
لا اله الا الله محمد رسول الله

شكر زائر
لا اله الا الله محمد رسول الله

طوبى للقتلة التوبة وبئس من قتل زائر
كيف تتم التوبة دون تنازل من أهل المقتول ناهيك عن الفدية أو ليس هذا ما جعل الحكام يغفرون للعصاة في سجونهم ضدا في الضحايا وكان الأجدر بهم أن يعفوا عمن أساء إليهم سياسيا على سبيل المثال والرواية في مجملها لا تتوافق والشريعة إذ أن للتوبة شقان إحداها ما كان بين العبد وربه وتحتاج للتوبة الخالصة وعدم العودة مع ركعتان أما الثانية فهي ما تكون بين العبد والعبد والكل عباد لله وهذه الأخيرة تحتاج لتنازل من الضحية وتكون خالصة دون ابتزاز مهما كان نوعه بعدها تصح التوبة حتى لا تضيع حقوق الناس وإلا كيف يأمن المؤمن على حقوقه الضائعة ما دامت التوبة تسع ظالمينا مع العلم أن الأقواء لا يحترمون الضعفاء وتجدهم في مقدمة الحجاج تائبين مستعطفين

الرد زائر
أخي الكريم صاحب التعليق الذي يقول: كيف تتم التوبة دون تنازل من أهل المقتول ناهيك عن الفدية أو ليس هذا ما جعل الحكام يغفرون للعصاة في سجونهم ضدا في الضحايا وكان الأجدر بهم أن يعفوا عمن أساء إليهم سياسيا على سبيل المثال والرواية في مجملها لا تتوافق والشريعة إذ أن للتوبة شقان إحداها ما كان بين العبد وربه وتحتاج للتوبة الخالصة وعدم العودة مع ركعتان أما الثانية فهي ما تكون بين العبد والعبد والكل عباد لله وهذه الأخيرة تحتاج لتنازل من الضحية وتكون خالصة دون ابتزاز مهما كان نوعه بعدها تصح التوبة حتى لا تضيع حقوق الناس وإلا كيف يأمن المؤمن على حقوقه الضائعة ما دامت التوبة تسع ظالمينا مع العلم أن الأقواء لا يحترمون الضعفاء وتجدهم في مقدمة الحجاج تائبين مستعطفين نحن نتفق مع ما قلته أخي الكريم بشأن شروط قبول التوبة من القاتل، ولكن الأمر بشأن الرجل الذى قتل مائة نفس يحتاج إلى توضيح؛ حيث إن هذا الرجل كما جاء في الأحاديث الصحيحة قد نوى التوبة الحقة الخالصة، ولكن الأجل لم يسعفه فمات فقبل الله توبته؛ لأن الله تعالى علم ما في قلبه من إخلاص النية، أما فيما يتعلق بحقوق الناس الذين قتلهم فمآلهم إلى الله تعالى يحكم بينهم جميعًا يوم القيامة..


أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
   
المتواجدون الآن
  6593
إجمالي عدد الزوار
  5216560

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع