مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

دعوى مخالفة بعض أئمة الحديث للعقيدة الصحيحة(*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المغرضين أن من أئمة الحديث من لم يكن على عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن هؤلاء الأئمة: محمد بن إسحاق الذي رمي بالقدر، فقد قال عنه الذهبي: "وروي عن حميد بن حبيب أنه رآه مجلودا في القدر، جلده إبراهيم بن هشام الأمير".

ومنهم من اتهم بالتشيع كالدارقطني والسيوطي والطبري، مستدلين على ذلك بأن الأول كان يحفظ ديوان السيد الحميري المتشيع، والثاني صحح وقوى حديث "رد الشمس لعلي رضي الله عنه "، كما أنه ألف كتابا استدل فيه على إمامة علي بن أبي طالب بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وسماه "ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى"، بالإضافة إلى تأليفه الكثير في مناقب آل البيت، وأما الثالث فقد جمع وصحح الأحاديث الواردة في "غدير خم" وأعقبها بأحاديث في فضائل على رضي الله عنه، وله كتاب "بشارة المصطفى" في منازل الشيعة ودرجاتهم.

 واتهم ابن حزم بالنصب لدعوته إلى الدولة الأموية في الأندلس.

ومنهم من كان زنديقا فاسد العقيدة مثل ابن حبان؛ لأنه قال: "إن النبوة هي العلم والعمل"، فحكم الخليفة بزندقته، وأمر بقتله.

ومنهم من اتهم بالقول بخلق القرآن عندما امتحن في ذلك مثل الإمام يحيى بن معين، مما جعل الإمام أحمد بن حنبل يرد روايته. وعلي بن المديني الذي جنح إلى الجهمية وقال بخلق القرآن، والإمام المروزي الذي صرح في كتاب "الإيمان" بأن الإيمان مخلوق، وأن الإقرار والشهادة وقراءة القرآن بلفظ مخلوق.

ومنهم من اتهم بالقول بالتجسيم كابن خزيمة وعبد الله بن أحمد بن حنبل؛ إذ إنهما قد أكثرا من التأليف في مسائل الاعتقاد، كما أن ابن خزيمة قد أورد حديث "الصورة" في كتابه "التوحيد"، وأوله بما يثبت مذهبه.

ويتساءلون: كيف نقبل رواية الحديث عمن فسدت عقيدته؟

رامين من وراء ذلك إلى الطعن في أئمة الحديث، والتشكيك في عدالتهم وضبطهم، وعدم قبول ما رووه لنا من أحاديث، ورفض آرائهم الصائبة في علم الحديث وغيره.

وجوه إبطال الشبهة:

1) إن من قواعد مصطلح الحديث أن رواية المبتدع مقبولة ما لم يكن داعية إلى بدعته، طالما أنه ثقة عدل ضابط عند علماء الجرح والتعديل، فمن استفاضت عدالته واشتهرت إمامته لا يقبل الجرح في حقه، فإن كان داعية إلى بدعته، ناصرا لها فهذا يوجب رد روايته وعدم الأخذ بها.

2) إن الأدلة على اتهام محمد بن إسحاق بالقدر أدلة ضعيفة لا تصح؛ إذ وردت بصيغة التمريض، بل نصت الروايات نفسها على أنه أبعد الناس منه، ولم يؤثر ذلك في روايته، فهو حسن الحديث، صالح الحال، صدوق عند علماء الجرح والتعديل، استشهد بحديثه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

3) لقد كان الدارقطني شديد الإنكار على الشيعة محرجا لهم، قائلا بأفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، أما حفظه لديوان السيد الحميري الشيعي فقد كان من باب صقل ملكته اللغوية لفصاحة هذا الديوان، لا اعتقادا لما فيه، ولهذا لقب بأمير المؤمنين في الحديث في زمانه.

4) إن تصحيح السيوطي لحديث "رد الشمس لعلي" لا يدل على تشيعه؛ إذ قد صححه عدد من الأئمة قبله وبعده، فتصحيحه لحديث ضعيف لا يدل على اعتناقه مذهبا معينا، واختلاف العلماء في تضعيف حديث أو تصحيحه لا يطعن في عدالة أحد منهم، وأما كتاب "ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى" فإنه لمحب الدين الطبري المتوفى (694هـ) وليس للسيوطي.

5) إن ما فعله ابن جرير الطبري في حديث "غدير خم" هو مجرد جمع الطرق المختلفة لحديث صحيح ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل علي، وليس فيه إشارة إلى الإمامة أو الخلافة، ولم يصنع شيئا من عند نفسه، وأما كتاب " بشارة المصطفى" الذي يدعو إلى التشيع، فهو لأبي جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري الشيعي (ت: 310)، وليس للإمام الطبري المفسر (ت: 310)، ويؤيد عدم تشيع الطبري المفسر إنكاره الشديد على الشيعة، وتجويزه قتل من رفض إمامة أبي بكر وعمر.

6) إن اتهام ابن حزم بالنصب - وهو بغض علي - رضي الله عنه - اتهام باطل لا دليل عليه، يرده ما صح عنه من أقوال عديدة في فضل علي وشرفه العظيم وذمه للأمويين، ودفاعه هو عن نفسه، ولا يطعن مثل هذا الاتهام في اعتباره محدثا؛ إذ كانت له مكانة عالية في الحديث، شهد بها علماء الحديث جميعا، وأخذوا برأيه في علم الجرح والتعديل.

7) إن قول ابن حبان: النبوة هي العلم والعمل لا يعني أنها ملكة ينتجها العلم والعمل، وإنما يعني أنهما عماد النبوة، ولا سبيل إلى تحصيل العلم والعمل بكمالهما، إلا بالوحي الإلهي الذي اختص الله به أنبياءه فقط دون غيرهم، وهذا الرأي لا علاقة له بحديثه؛ إذ شهد له العلماء بأنه أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره.

8) إن يحيى بن معين، وعلي بن المديني لم يقولا بخلق القرآن إلا تقية؛ بل إن علي بن المديني كان يكفر من يقول بخلق القرآن، وأما إنكار أحمد بن حنبل على يحيى فكان ردعا لغيره من العامة مع علمه بمكانته وفضله، وإذا عدت هذه من الأخطاء، فإنه ليس من شرط الثقة العصمة من الذنوب.

9) إن تصريح الإمام المروزي كان القصد منه الرد على من يقول: أفعال العباد وأصواتهم غير مخلوقة، وليس القول بخلق القرآن، فإنه في تصريحه قد نص على القول باللفظية فقط وليس المقروء، وهذا لا يقدح في عقيدته ولا في عدالته، فإن علماء الجرح والتعديل قد أثنوا عليه ثناء جما، وشهدوا بمنزلته الرفيعة في شتى علوم الإسلام.

10)    إن كثرة تأليف ابن خزيمة وعبد الله بن أحمد بن حنبل في مسائل الاعتقاد لا يدل على اعتقادهما بالتجسيم؛ لأن مؤلفاتهما في ذلك كلها على مذهب السلف، ولم يكونا بدعا في هذا؛ إذ كثرت المؤلفات في مثل هذه المسائل على عهدهما، وحديث "الصورة" الذي أورده ابن خزيمة ينفي القول بالتجسيم.

 التفصيل:

أولا. قبول رواية المبتدع المشهور بالعدالة والضبط، ما لم يكن داعية إلى بدعته:

لقد فحص العلماء رواية المبتدع، ووضعوا شروطا لقبول هذه الرواية؛ ذلك لأن النقص مستول على جملة البشر، كما يقول الراغب الأصفهاني: والمرء لا يسلم من الزلل، فكل بني آدم خطاء، فأي الرجال المهذب؟!

ومن ثم قال عبد الله بن المبارك: "إذا غلبت محاسن الرجل لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ لم تذكر المحاسن"([1]).

فأهل الحديث والسنة الذين عرف منهم التقى والورع، وتحري الحق، واتباع السنة، والنصح للمسلمين، إذا وقع أحد منهم في خطأ، لا نبدعه، ولا نضلله، ولا نحرم أنفسنا من علمه وخيره، بل ننبه على خطئه، ونستغفر له، ونشيد مع ذلك بمحاسنه ومناقبه.

قال الإمام الذهبي عند دفاعه عن الإمام قتادة بن دعامة السدوسي: "وكان يرى القدر، نسأل الله العفو، ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكيم لطيف بعباده، ولا يسأل عما يفعل.

ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زللـه، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك"([2]).

ومن قواعد علم الجرح والتعديل - وإن شئت فقل: من حقائقه - أنه لا يقبل الجرح في حق من استفاضت عدالته واشتهرت إمامته؛ ولذلك لا يلتفت - مثلا - إلى كلام ابن أبي ذئب في الإمام مالك، ولا إلى كلام النسائي في أحمد بن صالح المصري؛ لأن هؤلاء أئمة مشهورون صار الجارح لهم كمن أتى بخبر غريب، لو صح لتوافرت الدواعي على نقله وكان القاطع قائما على كذبه([3]).

بل ويعاب من وقع في هذه الهنة وتلك الزلة، ولذا حينما تكلم الإمام يحيى بن معين في الإمام الشافعي، صحح له ذلك الإمام الذهبي، وعابه على ذلك، فقال: "قد آذى ابن معين نفسه بذلك، ولم يلتفت الناس إلى كلامه في الشافعي، ولا إلى كلامه في جماعة من الأثبات، كما لم يلتفتوا إلى توثيقه لبعض الناس، فإنا نقبل قوله دائما في الجرح والتعديل ونقدمه على كثير من الحفاظ، ما لم يخالف الجمهور في اجتهاده، فإذا انفرد بتوثيق من لينه الجمهور، أو بتضعيف من وثقه الجمهور وقبلوه، فالحكم لعموم أقوال الأئمة، لا لمن شذ..."([4]).

فإن الراوي إذا كان صاحب بدعة؛ كأن يكون متشيعا أو جهميا أو قدريا أو مجسما، أو غير ذلك من البدع الأخرى - فإن ذلك لا يرد روايته، إلا إذا وجدت ضميمة أخرى، كأن يكون الراوي غير عدل أو غير ضابط، وأكبر ضميمة توجب رد رواية المبتدع أن يكون داعيا لبدعته منتصرا لها، فهذا يوجب رد روايته، وعدم الأخذ عنه.

فإن لم يكن داعيا لبدعته ولا ناصرا لها، وكان ضابطا عدلا، ووثقه غير واحد من أهل العلم المعتبرين، قبلت روايته ولم ترد، وهذا هو الراجح عند العلماء جميعا.

يقول ابن حجر: "أما البدعة فالموصوف بها إما أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق، فالمكفر بها لا بد أن يكون ذلك التكفير متفقا عليه من قواعد جميع الأئمة، كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة أو غير ذلك، والمفسق بها كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو، وغير هؤلاء من طوائف المخالفين لأصول السنة خلافا ظاهرا، لكن مستند إلى تأويل ظاهره سائغ، فقد اختلف أهل السنة في قبول حديث من هذا سبيله إذا كان معروفا بالتحرز من الكذب، مشهورا بالسلامة من خوارم المروءة، موصوفا بالديانة والعبادة، فقيل: يقبل مطلقا، وقيل: يرد مطلقا، والثالث: التفصيل بين أن يكون داعية أو غير داعية، فيقبل غير الداعية، ويرد حديث الداعية، وهذا المذهب هو الأعدل، وصارت إليه طوائف من غير الأئمة، وادعى ابن حبان إجماع أهل النقل عليه؛ لكن في دعواه نظر، ثم اختلف القائلون بهذا التفصيل، فبعضهم أطلق ذلك، وبعضهم زاده تفصيلا، فقال: إن اشتملت رواية غير الداعية على ما يشيد بدعته ويزينه ويحسنه ظاهرا فلا تقبل، وإن لم تشتمل فتقبل، وطرد بعضهم هذا التفصيل بعينه في عكسه في حق الداعية، فقال: إن اشتملت روايته على ما يرد بدعته قبل، وإلا فلا، وعلى هذا اشتملت رواية المبتدع سواء أكان داعية أم لم يكن على ما لا تعلق له ببدعته..."([5]).

ويقول النووي في التقريب: "من كفر ببدعته لم يحتج به بالاتفاق، ومن لم يكفر قيل: لا يحتج به مطلقا، وقيل: يحتج به إن لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه، وحكي عن الشافعي. وقيل: يحتج به إن لم يكن داعية إلى بدعته، ولا يحتج به إن كان داعية، وهذا هو الأظهر الأعدل، وقول الكثير أو الأكثر، وضعف الأول باحتجاج صاحبي الصحيحين وغيرهما بكثير من المبتدعة غير الدعاة"([6]).

فكل من لم يكن داعية لبدعته، ولا مروجا لها تقبل روايته، طالما أنه لا يستحل الكذب.

وقال السيوطي: "والمعتمد أن الذي ترد بدعته روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه، وأما من لم يكن كذلك وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله... وقيل: يحتج به إن لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه، سواء كان داعية أم لا، ولا يقبل إن استحل ذلك، وحكي هذا القول عن الشافعي، حكاه عنه الخطيب في الكفاية؛ لأنه قال: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، قال: وحكي هذا أيضا عن ابن أبي ليلى والثوري والقاضي أبي يوسف، وقيل: يحتج به إن لم يكن داعية إلى بدعته ولا يحتج به إن كان داعية إليها؛ لأن تزيين بدعته، قد تحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه"([7]).

ونذكر فائدة عظيمة للإمام جلال الدين السيوطي، تبين صحة ما نرمي إليه، من قبول رواية الراوي الذي رمي ببدعته، طالما أنه لا يستحل الكذب فيقول: "أردت أن أسرد هنا من رمي ببدعته ممن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما، وهم: إبراهيم بن طهمان، وأيوب بن عائذ الطائي، وذر بن عبد الله المرهبي، وشبابة بن سوار،....هؤلاء رموا بالإرجاء؛ وهو تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبائر بالنار. إسحاق بن سويد، وبهز بن أسد، وجرير بن عثمان، وحصين بن نمير الواسطي.... هؤلاء رموا بالنصب، وهو بغض علي - رضي الله عنه - وتقديم غيره عليه. وإسماعيل بن أبان، وإسماعيل بن زكريا، وجرير بن عبد الحميد، وأبان بن تغلب الكوفي، وخالد بن مخلد الفطواني... هؤلاء رموا بالتشيع، وهو تقديم علي على الصحابة. وثور بن زيد المدني، وثور بن يزيد الحمصي، وحسان بن عطية المحاربي، والحسن بن ذكوان، وداود بن الحصين... هؤلاء رموا بالقدر، وهو زعم أن الشر من خلق العبد. وبشر بن السري، رمي برأي أبي جهم، وهو نفي صفات الله تعالى، والقول بخلق القرآن. وعكرمة مولى ابن عباس، والوليد بن كثير، هؤلاء الحرورية، وهم الخوارج الذين أنكروا على علي التحكيم، وتبرءوا منه ومن عثمان وذويه، وقاتلوهم. وعلي بن هشام رمي بالوقف، وهو أن لا يقول: القرآن مخلوق أو غير مخلوق. وعمران بن حطان من القعدية، الذين يرون الخروج على الأئمة ولا يباشرون ذلك، فهؤلاء المبتدعة ممن أخرج لهم الشيخان أو أحدهما"([8]).

ولا شك أن البخاري ومسلما لم يخرجا في صحيحيهما عن أي من الرواة المطعون في روايتهم، وكل من أخرجا لهم لا غبار على صدق روايتهم وصحة حديثهم، مع أن بعضهم قد رمي ببدعة كالتشيع وغيرها، ومن ثم فإن كون أحد الرواة أو الأئمة يخالف العقيدة الصحيحة لا يشترط منه الطعن في روايته.

ونخلص من ذلك إلى أنه إذا كان بعض رواة الحديث وأئمته قد رموا بمخالفة العقيدة - مع عدم صحة هذا الرمي كما سنوضحه بعد قليل - فإن ذلك لا يستلزم القدح فيما رووه لنا من أحاديث، طالما أنهم ثقات ضابطون عدول عند علماء الجرح والتعديل، الذين يؤخذ برأيهم في هذا الشأن، أما إذا كان هناك سبب آخر يقدح في صدق روايتهم غير الرمي بمخالفة العقيدة الصحيحة، فإن ذلك من شأنه أن يطعن فيهم، وهذا ما لم يحدث مع الأئمة الذين معنا.

ثانيا. محمد بن إسحاق ثقة صدوق صالح الحال، حسن الحديث، ولا دليل على اتهامه بالقدر([9]):

إن الذين اتهموا محمد بن إسحاق بالقدر قد اعتمدوا على عدة روايات ضعيفة واهية، لا يعتمد عليها في إصدار مثل هذا الحكم على أحد الأئمة الكبار، وإليك هذه الروايات وبيان ضعفها ووهنها.

الرواية الأولى: ذكرها الذهبي في "ميزان الاعتدال"، وقد ذكرها بصيغة التمريض، التي توحي بتشككه هو في الأمر؛ إذ يقول فيها: "وروي عن حميد بن حبيب أنه رأى محمد بن إسحاق مجلودا في القدر، جلده إبراهيم بن هشام الأمير"([10]).

وهذه الرواية كما قلنا توحي بعدم اقتناعه بهذا الاتهام.

والرواية الثانية: أوردها الذهبي في "السير" عن محمد بن عبد الله بن نمير قال: "كان ابن إسحاق يرمى بالقدر"، وعند الرجوع إليها في مصدرها نجد أن المشكك قد تخلى عن أمانته في هذا النقل، فجاء بنصف الرواية التي تخدم هدفه وترك النصف الآخر، وهاهي الرواية تقول: قال أبو العباس بن عقدة: "كان ابن إسحاق يرمى بالقدر، وكان أبعد الناس منه"([11]).

إن ابن نمير ذكر اتهامه بالقدر لا ليثبته عليه، وإنما لينفيه عنه؛ لذلك كان حريصا على قوله: إنه كان أبعد الناس عن القدر.

وقد ذكر هذه الرواية الذهبي، والفرق ظاهر في ذكر السند عن الأولى، وأكد فيها ليبين عدم صحة الأولى، وقد ذكر هذه الرواية المزي في " تهذيب الكمال" أثناء ترجمته لمحمد بن إسحاق، وكذلك فعل الخطيب في" تاريخ بغداد".

وأما الرواية الأخيرة: التي تحاول إثبات اتهامه بالقدر، فقد وردت في "تهذيب الكمال" يقول فيها: " وقال سعيد بن داود الزنبري عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي: كنا في مجلس محمد بن إسحاق نتعلم، فأغفى إغفاءة، فقال: إني رأيت في المنام الساعة كأن إنسانا دخل المسجد ومعه حبل، فوضعه في عنق حمار فأخرجه، فما لبثنا أن دخل المسجد رجل معه حبل، حتى وضعه في عنق ابن إسحاق فأخرجه، فذهب به إلى السلطان، فجلد، قال الزنبري: من أجل القدر"([12]).

وهذه الرواية فيها سعيد بن داود وهو ضعيف كما في الأنساب وغيره([13]). والذي يهمنا الآن هو رأي علماء الجرح والتعديل في حديثه، هل يقبل أو لا؟ وهل لاتهامه بالقدر أثر في حديثه؟

نبدأ أولا بذكر رأي الذهبي فيه باعتباره إماما كبيرا في الحديث، وأيضا لاعتماد من رماه بالقدر على قوله، فقد قال في نهاية ترجمته في الميزان: "فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئا، وقد احتج به أئمة"([14]).

 وكذلك فإن رأي علماء الجرح والتعديل يظهر حسن حديثه، قال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث، وقال ابن معين: ثقة وليس بحجة، وقال علي بن المديني: حديثه عندي صحيح،... وقال يحيى بن كثير وغيره: سمعنا شعبة يقول: ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، وقال شعبة أيضا: صدوق، وقال ابن المديني: لم أجد له سوى حديثين منكرين([15]).

قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: لو كان لي سلطان لأمرت ابن إسحاق على المحدثين([16])، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ابن إسحاق ثقة([17]).

وإن من أهم الأدلة على صلاحية حديثه وضبطه أن البخاري قد استشهد به في الصحيح، وروى له في كتاب "القراءة خلف الإمام" وغيره، وروى له مسلم في المتابعات، واحتج به الباقون([18]).

ويقول الخطيب البغدادي في تاريخه: قال أبو زرعة: ومحمد بن إسحاق رجل قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ منه؛ منهم: سفيان، وشعبة، وابن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإبراهيم بن سعد، وروى عنه من الأكابر: يزيد بن أبي حبيب، وقد اختبره أهل الحديث فرأوا صدقا وخيرا، مع مدحة ابن شهاب له". ثم قال الخطيب: "فأما الصدق فليس بمدفوع عنه"([19]).

وقال محمد بن أحمد بن يعقوب: "نبأنا جدي، قال: سألت علي بن المديني عن ابن إسحاق، قلت: كيف حديث محمد بن إسحاق عندك صحيح؟ فقال: نعم، حديثه عندي صحيح، قلت له: فكلام مالك فيه؟ قال علي: مالك لم يجالسه ولم يعرفه. ثم قال علي: ابن إسحاق أي شيء حدث بالمدينة؟ قلت له: فهشام بن عروة قد تكلم فيه، فقال علي: الذي قال هشام ليس بحجة، لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها، وسمعت عليا يقول: إن حديث محمد بن إسحاق ليتبين فيه الصدق، يروى مرة حدثني أبو الزناد، ومرة ذكر أبو الزناد"([20]).

ونخلص من هذا كله إلى أن محمد بن إسحاق لم يكن قدريا، وإنما كان هذا الاتهام بناء على أدلة واهية لا يعتمد عليها، وأما هو فإمام من أئمة الحديث؛ قد أجمع العلماء على صحة حديثه، فهو حسن الحديث ثقة صدوق، روى له البخاري ومسلم وغيرهما، ومن ثم فلا يطعن هذا الاتهام في حديثه شيئا.

 ثالثا. الدارقطني كان أمير المؤمنين في الحديث ولم يكن شيعيا، بل كان شديد الإنكار على الشيعة:

إن حفظ الإمام الدارقطني لديوان السيد الحميري الشيعي لا يعني تشيعه، وإيمانه بما فيه من العقائد الشيعية؛ وإنما كان حفظه له لحسن نظمه وجزالة لفظه، فقد قال الذهبي عن الحميري: "ونظمه في الذروة؛ ولذلك حفظ ديوانه أبو الحسن الدارقطني"([21]).

وذكر الخطيب البغدادي: أن حمزة بن طاهر الدقاق كان يقول: كان أبو الحسن الدارقطني يحفظ ديوان السيد الحميري في جملة ما يحفظ من الشعر، فنسب إلى التشيع لذلك([22]).

ولا ندري كيف يتهم من يحفظ قولا من الأقوال أو شعرا من الأشعار باعتقاد ما يحفظه؟ ولا شك أن كثيرا من العلماء فضلا عن عامة الناس يحفظون قصائد لشعراء نصارى وجاهليين وغيرها من القصائد التي تخالف العقيدة الإسلامية، أتراهم يعتقدون فيما يحفظون؟ أم أنهم بحفظهم لمثل هذه القصائد قد خرجوا من الملة السمحاء؟!

وقد أنكر كثير من العلماء اتهام الدارقطني بهذه التهمة، ونفوها نفيا أكيدا عنه، قال الأستاذ محمد بن خليفة الرباح: "وما أعلم سببا غير هذا السبب في اتهامه بالتشيع، وهو دليل واه لا ينبغي الاعتماد عليه عند الطعن في عقيدة إمام كالدارقطني، عرف بصفاء العقيدة ونقائها، ومن ذلك عقيدته تجاه الصحابة الكرام، فما عرف عنه غمز أو طعن في أحد منهم، بل هو على ما عليه أهل السنة والجماعة من حبهم، والترضي عنهم، وذكرهم بالجميل، ومن تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم"([23]).

وذكر الذهبي أن الدارقطني قال: "اختلف قوم من أهل بغداد، فقال قوم: عثمان أفضل، وقال قوم: علي أفضل، فتحاكموا إلي، فأمسكت، وقلت: الإمساك خير، ثم لم أر لديني السكوت، وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم، وقل لهم: أبو الحسن يقول: عثمان أفضل من علي باتفاق جماعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا قول أهل السنة، وهو أول عقد يحل في الرفض"([24]).

فهل يعقل أن يقول هذا الكلام شيعي؟ فإنه اعتبر تقديم علي على عثمان فضلا عن عمر فضلا عن أبي بكر من الرفض، وهذا قد يعد تشددا من الدارقطني؛ ولهذا عقب الذهبي بعد روايته السابقة فقال: "قلت: ليس تفضيل علي - رضي الله عنه - برفض ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين"([25]).

ولتعلم بعد الإمام الدارقطني عن التشيع، فانظر ما قاله عن السيد الحميري في "المؤتلف والمختلف" فقد قال عنه: "السيد الحميري كان غالبا يسب السلف في شعره، ويمدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب"([26]).

 إن الدارقطني جرح الحميري هنا بسبه الصحابة وتشيعه لعلي، فهل يعقل أن يجرح من يتشيع ويكون هو شيعي؟!

لقد قال الذهبي عنه: "ما أبعده من التشيع"([27])، وقال الخطيب البغدادي: "وما أبعده منه"([28])، أي: التشيع.

وهل كتابه "فضائل الصحابة" إلا دليل على حبه لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحرصه على نشر مناقبهم، وبعده مما نسب إليه من تشيع؟

والناظر في أقواله في الجرح والتعديل يعلم من خلال كثير من التراجم أنه يجرح ببدعة التشيع، ويذكر ذلك على وجه الذم، مما يدل دلالة قاطعة على أن الرجل بريء براءة تامة مما نسب إليه([29]).

لذلك قال عنه الخطيب البغدادي: "انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث، وأسماء الرجال، وأحوال الرواة، مع الصدق والأمانة والفقه والعدالة، وقبول الشهادة، وصحة الاعتقاد، وسلامة المذهب والاطلاع بعلوم سوى علم الحديث"([30]).

وتأمل قول الخطيب: "صحة الاعتقاد وسلامة المذهب"، فإن هذه شهادة أكبر رجال التاريخ ومعرفة الرجال في عصره.

إن ما سقناه هنا فيه كفاية لبيان أن اتهام الدارقطني بالتشيع هو اتهام باطل لا يثبت، وقد نفاه عنه العلماء جميعا قديما وحديثا؛ مما يؤكد بعده عن التشيع وبراءته منه.

قال عنه الطبري: كان الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث، وقال أبو بكر البرقاني: كان الدارقطني يملي علي العلل من حفظه([31]).

وقال عنه الذهبي: "كان من بحور العلم، ومن أئمة الدنيا، انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله، مع التقدم في القراءات وطرقها، وقوة المشاركة في الفقه، والاختلاف، والمغازي، وأيام الناس وغير ذلك"([32]).

وخلاصة القول: أن الدارقطني لم يكن متشيعا وإنما هو من أهل السنة والجماعة، لأنه لا دليل

على تشيعه، وقد نفى العلماء الأثبات هذه التهمة عنه نفيا أكيدا، ويدل على ذلك أيضا تشنيعه كثيرا على المتشيعين وتجريحه لمن اعتنق هذا المذهب، وحفظه لديوان السيد الحميري هو من قبيل صقل ملكته اللغوية وإنماء ذوقه العربي؛ لما تميز به هذا الديوان من فصاحة وذوق رفيع، ولم يكن من قبيل اعتناقه مذهبه؛ لذلك لقب بأمير المؤمنين في الحديث.

رابعا. تصحيح السيوطي لحديث "رد الشمس لعلي" لا يدل على تشيعه؛ لتصحيح غيره له، وكتاب "ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى" للمحب الطبري وليس للسيوطي:

إن حديث أسماء بنت عميس عن رد الشمس لعلي حديث ضعيف، لكن تصحيح السيوطي لهذا الحديث لا يدل على تشيعه أبدا؛ فقد صححه عدد من العلماء غيره، ولم يشك أحد قط في عقيدتهم.

فقد أخرجه الطبراني عن أسماء بنت عميس قالت:«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوحى إليه ورأسه في حجر علي رضي الله عنه، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إن عليا كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، قالت: أسماء: فرأيتها غربت، ورأيتها طلعت بعدما غربت»([33]).

وصححه الطحاوي، وقال معلقا على هذا الحديث وغيره: "وكل هذه الأحاديث من علامات النبوة، وإن أحمد بن صالح قال: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء الذي رواه لنا عنه؛ لأنه من أجل علامات النبوة"([34]).

وكذلك ممن قال بصحة هذا الحديث القاضي عياض في كتابه "الشفا" فقال عنه: "رواته ثقات" ([35]).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الفتح" عن هذا الحديث: وروى الطبراني في "الكبير"، والحاكم، والبيهقي في "الدلائل" عن أسماء بنت عميس أنه - صلى الله عليه وسلم - دعا لما نام على ركبة علي - رضي الله عنه - ففاتته صلاة العصر، فردت الشمس حتى صلى علي ثم غربت، وهذا أبلغ في المعجزة، وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في "الموضوعات"، وكذا ابن تيمية في كتاب "الرد على الروافض" في زعم وضعه([36]).

وما قصده ابن حجر في الإنكار على ابن الجوزي وابن تيمية أنه أنكر عليهما وصفه بأنه موضوع لا أنه ضعيف، فهو لم ينف عنه الضعف، لكن نفى عنه الوضع.

وقال العلامة الملا علي القاري في "شرح الشفا": وأما ما قال الدلجي تبعا لابن الجوزي، من أنه - موضوع -: لو قيل بصحة هذا الحديث، لم يفد ردها - وإن كان منقبة لعلي - وقوع صلاته أداء، لفواتها بالغروب: فمدفوع لقيام القرينة على الخصوصية، مع احتمال التأويل في القضية، بأن يقال: المراد بقولها: غربت أي من نظرها، أو كادت تغرب بجميع جرمها أو باعتبار بعض أجزائها، أو أن المراد بردها: حبسها وبقاؤها على حالها، وتطويل زمان سيرها ببطء تحركها، على عكس طي الأزمنة وبسطها، فهو سبحانه قادر على كل شيء شاءه"([37]).

هؤلاء كلهم قالوا بصحة هذا الحديث، ولم ينفرد السيوطي بذلك، وهذا شيء لا إشكال فيه، ولا طعن فيمن قال بالصحة أو بالضعف طالما أن الحديث مختلف فيه، مع أن الثابت الصحيح هو عدم صحة هذا الحديث.

هذا عن الدليل الأول على تشيع السيوطي، أما الدليل الثاني الذي زعموا اعتمادا عليه تشيع السيوطي، فهو تأليفه كتاب "ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى"، وهذا خطأ فادح وقع فيه هؤلاء المشككون؛ إذ إن هذا الكتاب هو لـ "محب الدين الطبري" وليس للسيوطي، وهذا ما أثبته محقق الكتاب في مقدمته لهذا الكتاب، وقال الطبري في بداية كتابه: "ووسمته بذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى من كتب ذوات أعداد على وجه الاختصار وحذف الأسانيد"([38]).

أما الإمام السيوطي فقد ألف كتاب "إحياء الميت بفضائل آل البيت"، وأورد فيه ستين حديثا في فضائل آل البيت.

وتأليف السيوطي في فضائل آل البيت لا يعد تشيعا، وإلا فكل من ألف في ذلك يصبح متشيعا، ولعل الذي دفع السيوطي إلى التأليف في مناقب آل البيت هو قول الله سبحانه وتعالى -: )قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى( (الشورى: ٢٣).

وعن طاوس قال: سئل عنها ابن عباس فقال: هي قربى آل محمد. فإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، ويدل عليه وجوه:

الأول: قوله سبحانه وتعالى: )إلا المودة في القربى( (الشورى: ٢٣).

الثاني: لاشك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب فاطمة عليها السلام، قال صلى الله عليه وسلم: «إنما فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها»([39]) وثبت بالنقل المتواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يحب عليا والحسن والحسين، وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة امتثالا لقوله سبحانه وتعالى: )واتبعوه لعلكم تهتدون (158)( (الأعراف)، وقوله سبحانه وتعالى: )قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله( (آل عمران: ٣١)، وقوله: )لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة( (الأحزاب: ٢١).

الثالث: أن الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة، وهو: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وهذا التعظيم لن يوجد في غير الآل([40]).

ومن هنا فإن السيوطي لم يكن شيعيا كما يزعمون، وتصحيحه لحديث رد الشمس لعلي لا يثبت ذلك؛ لأن غيره من الأئمة الذين سبقوه قد صححوا الحديث ولم يكن بدعا في ذلك، وأما الكتاب الذي استدلوا به على تشيعه فلا علاقة له به، وإنما هو لمحب الدين الطبري، فضلا عن أن المدح لآل البيت لا يدل على التشيع؛ لأن حبهم واجب على المسلمين أجمعين.

 خامسا. إيراد الطبري أحاديث فضائل علي - رضي الله عنه - ليس دليلا على تشيعه، وقد دافع الطبري عن نفسه وأنكر تلك التهمة:

من المعروف أن الصحابة أجمعين قد فضلهم الله - عز وجل - على العالمين بعد الأنبياء والرسل، ولكل واحد منهم فضائل لا ينكرها إلا جاحد.

والصحابي الجليل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - له الكثير من الفضائل، بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير ما موضع.

كما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - فضائل غيره من الصحابة كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة والزبير، وعبيدة بن الجراح، وحذيفة بن اليمان وغيرهم كثير.

وليس من المعقول أن من ألف في سيرة أحد من هؤلاء يرمى بالتشيع له، فهذا مما لا يقبل عقلا ولا شرعا.

إن ما فعله ابن جرير الطبري في جمعه لطرق حديث "غدير خم" لا يعدو أن يكون بيانا لصحة حديث صحيح ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد صححه غيره، وهذا ليس إلا إقرارا منه بفضائل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وجدير بالذكر أن حديث "غدير خم" هو أصل الخلاف بين الشيعة والسنة؛ إذ يرى الشيعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثناء عودته من حجة الوداع وهو في طريقه إلى المدينة، وصل إلى أرض تسمى (خم) وهي المنطقة التي تتشعب منها الطرق إلى المدينة والعراق ومصر واليمن، فنزل عليه جبريل - عليه السلام - بأن الله - عز وجل - يأمره أن يقيم علي بن أبي طالب إماما على الناس، وخليفة من بعده، ووصيا له، وحصر الأئمة في اثني عشر إماما، كلهم معصومون، ولا يجوز عليهم الخطأ، وكل منهم ينص ويعلن على الإمام الذي يليه.

ولكن الحديث الصحيح الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ورد في فضل علي بن أبي طالب، ولم ترد فيه إشارة إلى التنصيص على الإمامة من قريب أو بعيد، وهذا الذي أثبت صحته ابن جرير الطبري - رحمه الله، وقد أورد الإمام مسلم هذا الحديث في صحيحه، وجاء فيه: «... ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي...»([41]).

وكذلك أورده الإمام أحمد في مسنده عن زيد بن أرقم، قال: «... اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»([42]).

وعليه، فتصحيح الإمام ابن جرير الطبري لحديث "غدير خم" لا يصمه بالتشيع من قريب أو بعيد؛ إذ الحديث الصحيح لا ينص على الإمامة التي يدعونها.

ومما يشهد ببطلان ادعائهم بتشع الطبري أنه قد ذكر عقيدته صريحة في كتابه "صريح السنة"؛ فقال - رحمه الله: "أفضل أصحابه - صلى الله عليه وسلم - الصديق أبو بكر، ثم الفاروق عمر، ثم ذو النورين عثمان بن عفان، ثم أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب رضي الله عنهم"([43]).

قال محمد بن علي بن سهل بن الإمام - صاحب محمد بن جرير: "سمعت محمد بن جرير وهو يكلم ابن صالح الأعلم، وجرى ذكر علي رضي الله عنه، ثم قال محمد بن جرير: من قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى، أيش هو؟ قال: مبتدع، فقال ابن جرير إنكارا عليه: مبتدع مبتدع! هذا يقتل"([44]).

فهل بعد كلامه هذا يمكن أن يتهم بالتشيع؟ إن هذا ما لا يقبله عاقل!

وأما قول الحافظ أحمد بن علي السليماني بأن ابن جرير الطبري كان يضع للروافض، فقد رد عليه الإمام الذهبي - رحمه الله - قائلا: "وهذا رجم بالظن الكاذب؛ بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندعي عصمته من الخطأ، ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى، فإن كلام العلماء بعضهم في بعض ينبغي أن يتأنى فيه، ولا سيما في مثل إمام كبير".

 ويعقب الذهبي بعد ذلك قائلا: "فلعل السليماني أراد الآتي"، وقصد الذهبي "بالآتي" هنا: من ترجم له بعد محمد بن جرير الطبري، وهو محمد بن جرير بن رستم أبو جعفر الطبري، وهو رافضي له تواليف منها كتاب "الرواة عن أهل البيت"([45]).

ومن العجيب حقا أن هذا الرافضي يتشابه مع ابن جرير الطبري، الإمام المجتهد، في الاسم واسم الأب، والكنية والنسبة، بل وسنة الوفاة، فكلاهما مات سنة 310هـ.

يقول الحافظ ابن حجر: "ولو حلفت أن السليماني ما أراد إلا ذلك لبررت، والسليماني حافظ متقن، كان يدري ما يخرج من رأسه، فلا أعتقد أنه يطعن في مثل هذا الإمام بهذا الباطل، إنما نبز بالتشيع؛ لأنه صحح حديث "غديرخم"... ونبهت عليه لئلا يغتر به، فقد ترجم له أئمة النقل في عصره وبعده فلم يصفوه بذلك؛ وإنما ضره الاشتراك في اسمه واسم أبيه ونسبه وكنيته ومعاصرته وكثرة تصانيفه"([46]).

أما كتاب "بشارة المصطفى" فهو لمحمد بن علي بن محمد بن علي الطبري الشيعي الإمامي، ولقد وهم من نسبه إلى محمد بن جرير الطبري المفسر، فهذا الكتاب ليس من مؤلفات ابن جرير الطبري المفسر، ولم يذكره أحد من علماء البحث الببليوجرافي في مؤلفات ابن جرير أو ينسبه إليه.

يؤكد ذلك ما ذكره عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين؛ إذ قال: "محمد بن أبي القاسم بن محمد بن علي الأعلى العجمي الطبري الشيعي الإمامي، من آثاره: "بشارة المصطفى"([47]).

على أن ابن جرير الطبري كان يملك من العلم والورع ما ينأى به عن مثل هذه الاتهامات، ويثبت علو قدمه في الحديث، واعتماده إماما عظيما من أئمة السنة.

قال عنه الذهبي في السير: "كان ثقة، صادقا، حافظا، رأسا في التفسير، إماما في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفا بالقراءات وباللغة، وغير ذلك"([48]).

وعن تصنيفه في الحديث النبوي يقول الذهبي: "وابتدأ بتصنيف كتاب: "تهذيب الآثار" وهو من عجائب كتبه، ابتداء بما أسنده الصديق مما صح عنده سنده، وتكلم على كل حديث منه بعلله وطرقه ثم فقهه، واختلاف العلماء وحججهم، وما فيه من المعاني والغريب، والرد على الملحدين، فتم منه مسند العشرة وأهل البيت والموالي، وبعض مسند ابن عباس، فمات قبل تمامه". وقلت - والقول للذهبي: "هذا لو تم لكان يجيء في مائة مجلد"([49]).

وقال عنه الخطيب البغدادي: "كان أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله، وكتاب سماه "تهذيب الآثار" لم أر سواه في معناه إلا أنه لم يتمه، وله في أصول الفقة وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه"([50]).

وبذلك فإن الإمام الطبري لم يكن شيعيا، وكل ما ذكره من أحاديث في فضائل آل البيت ليست سوى أقوال صحيحة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وليست من وضعه هو، وقد شدد النكير على من تشيع وقال برفض إمامة أبي بكر وعمر، بل وجوز قتله. وله قدم راسخة في علم الحديث إلى جانب العلوم الأخرى.

سادسا. أقوال ابن حزم في فضل علي وذم الأمويين تنفي عنه أي اتهام بالنصب([51]):

لقد استند الطاعنون في اتهامهم لابن حزم بالنصب بما ذكره صاحب "الذخيرة" عن ابن حيان قال: "وكان مما يزيد في شنآنه تشيعه لأمراء بني أمية، ماضيهم وباقيهم بالمشرق والأندلس، واعتقاده لصحة إمامتهم، وانحرافه عمن سواهم من قريش، حتى نسب إلى النصب لغيرهم"([52]).

ولا دليل في ذلك على اتهام ابن حزم بالنصب؛ إذ إن غاية الأمر أن ابن حيان ذكر أنه نسب النصب إلى ابن حزم، دون أن يذكر من نسبه إليه أو حجة هذا الناسب في ذلك.

كما أن ابن حيان لم يورد نصا من كلام ابن حزم يشهد عليه بهذه التهمة الخطيرة، وإنما استنبط المتهمون ذلك من دعوة ابن حزم للدولة الأموية بالأندلس، فظن أن هذا دليل نصب من ابن حزم، وهم في هذا واهمون؛ لأن معنى النصب عندهم هو: عدم الميل إلى علي - رضي الله عنه - وهذا تعريف باطل، لأن الميل إلى علي إذا أطلق فإنه يعني التشيع، فكأنهم يقولون: إنا ننتقد ابن حزم لأنه ليس شيعيا!! وهو ما لا يصح الاتهام به، أو أن الاتهام به منقبة وليس مذمة، أما النصب فهو: كل انحراف عن علي وأهل بيته، سواء بلعنه وتفسيقه، أو التقليل من فضائله، أو تضعيف الأحاديث الصحيحة الواردة في فضله، أو عدم تصويبه في حروبه، أو التشكيك في شرعية خلافته وبيعته، أو المبالغة في مدح خصومه([53])، فهل ثبت عن ابن حزم أنه فعل شيئا من هذا، أو أيد من قال به أو دعا إليه؟!

إن نظرة يسيرة في بعض كتب ابن حزم تجلي موقفه من الصحابة عامة ومن علي - رضي الله عنه - خاصة.

يقول ابن حزم: "ولا تجوز الخلافة إلا في الرجال العاقلين البالغين من قريش من ولد فهر بن مالك خاصة، ولا تحل الخلافة لامرأة، ولا لمن لم يبلغ الحلم، ولا لمجنون منهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان»([54])([55]).

فقد قرر ابن حزم فضل الصحابة جميعا، وبين أن محبتهم جميعا، وصفاء القلوب لجميعهم فرض على كل مسلم، وكل ما شجر بين الصحابة - رضي الله عنهم - فكل واحد منهم مجتهد مأجور، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»([56]).

وهذا كلام ابن حزم - رحمه الله - وهو قاطع لشبهة كل من طعن فيه بالانحراف عن علي - رضي الله عنه - حيث قرر بوضوح فضل الصحابة جميعهم، وأن حبهم - ومن بينهم الإمام علي - رضي الله عنه - فرض على كل مسلم، وأن من أخطأ منهم فهو مأجور.

وقبلها نصر ما عليه أهل السنة والجماعة من أفضلية أبي بكر عليهم جميعا، ثم عمر، ثم توقف رحمه الله في عثمان وعلي أيهما أفضل؟ والذي عليه أهل السنة - كما سبق - أن عثمان أفضل من علي، رضي الله عنهما.

والطريف اللافت للنظر أن ابن حزم وهو المتهم بالنصب لم يفضل عثمان على علي - رضي الله عنهما - وإنما توقف في ذلك!

ولو كان ناصبيا كما يقول خصومه لبادر بتفضيل عثمان على علي دون تردد، بل بالغ في مدحه وذكر ما خص به دون علي، ولكنه - رحمه الله - لم يفعل ذلك؛ لأنه لا يصدر في آرائه عن هوى، وإنما عن دليل واقتناع قد يصيب فيه أو يخطئ.

·          مدح ابن حزم لعلي رضي الله عنه:

ومما يشهد ببطلان هذه التهمة - أيضا - أن ابن حزم في مواضع كثيرة من كتبه يثني على علي - رضي الله عنه - ويذكر فضائله، بل ويصوبه في خلافه مع معاوية ولو كان ناصبيا لما فعل هذا كله، كما هو معلوم([57]).

ولنفتح كتاب "الفصل في الملل والأهواء والنحل" لابن حزم لنقرأ رأيه في الإمام علي، ونثبت ما أورده أثناء رده على الروافض الذين يعتقدون أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نص على خلافة علي من بعده، فقال في ذلك: "ولا يجوز أن يظن بعلي - رضي الله عنه - أنه أمسك عن ذكر النص عليه خوف الموت، وهو الأسد شجاعة، قد عرض نفسه للموت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرات، ثم يوم الجمل وصفين، فما الذي جبنه بين هاتين الحالتين؟"([58]).

وقال أيضا: "فهو الإمام بحقه، وما ظهر منه قط إلى أن مات - رضي الله عنه - شيء يوجب نقض بيعته، وما ظهر منه قط إلا العدل والجد والبر والتقوى والخير...فعلي مصيب في الدعاء إلى نفسه وإلى الدخول تحت إمامته، وهذا برهان لا محيد عنه"([59]).

وقال أيضا: "إن من الجهل الفاضح أن يظن ظان أن عليا - رضي الله عنه - بلغ من التناقض في أحكامه، واتباع الهوى في دينه، والجهل أن يترك سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وزيد بن ثابت، وحسان بن ثابت، ورافع بن خديج، ومحمد بن مسلمة، وكعب بن مالك، وسائر الصحابة الذين لم يبايعوه، فلا يجبرهم عليها وهم معه في المدينة وغيرها"([60]).

ولما تحدث عن قتال علي ومعاوية دافع عن علي فقال: "لكن علي قاتله لامتناعه من إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام، وهو الإمام الواجبة طاعته؛ فعلي المصيب في هذا"([61]).

وقال في بيان فضل علي وعثمان: "ولعلي أيضا حظ قوي في القراءة، ولعثمان أيضا حظ قوي في الفتيا والرواية، ولعلي مقامات عظيمة في الجهاد بنفسه، ولعثمان مثل ذلك بماله"([62]).

وقال نافيا عنه كل طعن: "ما حكم علي - رضي الله عنه - قط رجلا في دين الله، وحاشاه من ذلك، وإنما حكم كلام الله - عز وجل - كما افترض الله تعالى عليه"([63]).

هذا هو رأي ابن حزم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفيه دلالة كافية على محبته له وتأييده لكل ما فعله، وليس فيه كراهيته له من قريب أو بعيد - كما ادعوا.

·          ذم ابن حزم لبعض بني أمية:

ومن الأدلة التي تشهد بعدم ناصبية ابن حزم - رحمه الله - أنه كان يذم بعض بني أمية، وبعض ولاتهم ممن تلبس بظلم أو جور، دون خوف أو وجل أو مجاملة لبني أمية بالأندلس، والمعيار عنده الشرع: من التزمه مدحه، ومن خالفه ذمه، ومن ذلك قوله: "قد كان في عصر التابعين من هو أفسق الفاسقين كمسلم بن عقبة المري، وحبيش بن دكخة القيني، والحجاج بن يوسف الثقفي، وقتلة عثمان، وقتلة الزبير، وقتلة الحسين رضي الله عنهم، ولعن قتلتهم ومن بعثهم"([64]).

·          دفاع ابن حزم عن نفسه:

وقد دافع ابن حزم عن نفسه قبل أن ندافع نحن عنه منذ زمن بعيد، فقال: "فإنا غير متهمين بحط أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - عن مرتبته، أو رفعه فوقها؛ لأننا لو انحرفنا عن علي - رضي الله عنه - ونعوذ بالله من ذلك - لذهبنا فيه مذهب الخوارج، وقد نزهنا الله - عز وجل - عن هذا الضلال في التعصب، ولو غلونا فيه لذهبنا فيه مذهب الشيعة، وقد أعاذنا الله تعالى من هذا الإفك في التعصب، فصار غيرنا من المنحرفين عنه أو الغالين فيه هم المتهمون فيه، إما له وإما عليه"([65]).

 وهذا القول منه - رحمه الله - قاطع لكل شبهة يتعلق بها خصومه، حيث أبان اعتقاده في هذه المسألة بخصوصها؛ دفعا لما قد يلحقه من اتهامات كما قد صار، ولا حول ولا قوة إلا بالله([66]).

 فهل بعد ذلك القول القاطع والاعتراف الصريح من ابن حزم نفسه يأتي من يتهمه بأنه كان ناصبيا معاديا لعلي رضي الله عنه؟! وكيف ذلك؟! وقد وجدناه - رحمه الله - قد أكثر من مدح علي - رضي الله عنه - في كتبه، وذكر محاسنه، وابن حزم - كما لا يخفى - ليس ممن يبطنون ما لا يظهرون، فهل يعقل بعد ذلك ما يقولون؟!

إن هذا الطعن الذي وجه إلى ابن حزم - والذي فندناه بما يقنع كل ذي لب - لم يقلل مطلقا من قيمة ابن حزم في الحديث، فقد عد من الأئمة الكبار فيه؛ إذ كان حافظا له، عالما به وبفنونه، وهو أول ما اشتغل به من العلوم على ما ذكره العارفون به من أهل بلده كالضبي في "بغية الملتمس"، وابن بشكوال في "الصلة".

وأكد المترجمون لابن حزم أن اهتمامه بالحديث قديم، والظاهر أنه لما تمكن منه انطلق إلى الفقه، فجمع بذلك بين علمين جليلين، يكمل كل منهما الآخر، وهذا لم يتيسر إلا للفحول، فلم يكن هم الرجل محصورا في الرواية وفنونها فحسب، كما هو شأن كثير من أهل الحديث، ولا في استنباط الأحكام الشرعية من غير دراية بصحة الدليل،... فتيسر له بذلك خدمة الحديث والفقه معا على نحو أشمل وأفضل، فكان كالإمام أحمد والبخاري وغيرهما من كبار المحدثين.

ولقد ساعد ابن حزم على ذلك أمور كثيرة، شخصية، وبيئية، فكان للأحوال العلمية السائدة في عصره، كتوافر العلماء، والمكتبات العلمية أثر كبير، في وقت كان للحديث فيه آنذاك في الأندلس شأن كبير على أثر الاتصال العلمي الوثيق بين المشرق الإسلامي ومغربه، كما هو واضح في كثرة الترحال لعلماء الحديث آنذاك، وظهور النوابغ منهم، وخاصة في القرنين الثالث والرابع.... ثم إن قناعة ابن حزم بأهمية الحديث كدليل شرعي، وحبه الشديد له، واعتماده عليه في استنباطه الأحكام، كل ذلك دفعه إلى الاعتناء به عناية بالغة... مما يدل على مدى تضلعه فيه، وسعة درايته، حيث كتب في فقه الحديث، والآثار التي ظاهرها التعارض، وهو من أشد الناس إنكارا لهذه الظاهرة، وكان من أقدر الناس على دفع التناقض بينها، ويقال: إن قدر كتابه الذي صنفه في هذا الباب يقرب من عشرة آلاف ورقة، وصنف في صحيح الحديث، وهو دليل تمكن في ميدان توثيق الحديث، في ظل منهج علمي رصين، وكتب في شروح الحديث، وعلل الحديث، وهو فن عويص، وله فيه مجلد، ورسائل أخرى في المسند والمرسل، وعلم الرجال، وغير ذلك.

ولقد أطلق النقاد الكبار عليه لقب الحافظ، كالذهبي في "تذكرة الحفاظ" والسيوطي في "طبقات الحفاظ"، وهذا لا يطلق في العادة إلا على كبار المحدثين، وعدوه من نقاد الحديث، وفيمن يعتمد قوله في الجرح والتعديل، وما أكثر ما رأينا الحافظ ابن حجر يعتمد قوله في بعض الرواة، فيذكره من غير ذكر لقول آخرين، وهو دليل اعتماد في الظاهر، ولذلك كان ابن حزم - رحمه الله تعالى - علما بارزا من أعلام الحديث ورواده، وأحد الذين قدموا الكثير في سبيل خدمة الحديث وصيانته، وممن أسهم بشكل واضح في صيانة التراث الحديثي في الأندلس([67]).

وأخيرا نختم بما ذكره الذهبي عن أبي عبد الله الحميدي قال: "كان ابن حزم حافظا للحديث وفقهه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة، متفننا في علوم جمة، عاملا بعلمه، ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس والتدين…"([68]).

 فهل يمكن بعد كل هذه الجهود التي بذلها ذلك العالم الجليل، وبعد تلك المكانة العلمية المرموقة التي وصل إليها في علم الحديث - ينكرون جهوده في ذلك العلم وحمايته بدعوى أنه كان ناصبيا! وهي دعوى باطلة مردودة بأقواله العديدة في فضل علي - رضي الله عنه - التي ذكرناها آنفا؟!

سابعا. يعني ابن حبان بقوله: "النبوة هي العلم والعمل" أنهما عماد النبوة، ولا سبيل إلى تحصيلهما إلا بالوحي الإلهي:

إن القول بزندقة ابن حبان؛ لقوله: "النبوة هي العلم والعمل" قول عار من الصحة، بعيد عن مقصد ابن حبان منه؛ يقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله: "لقوله هذا محمل سائغ إن كان قد عناه؛ أي عماد النبوة: العلم والعمل؛ لأن الله لم يؤت النبوة والوحي إلا من اتصف بهذين النعتين؛ وذلك لأن النبي يصير بالوحي عالما، ويلزم من وجود العلم الإلهي العمل الصالح، فصدق بهذا الاعتبار قوله: النبوة العلم اللدني والعمل المقرب إلى الله، فالنبوة إذن تفسر بوجود هذين الوصفين الكاملين، ولا سبيل إلى تحصيل هذين الوصفين بكمالهما إلا بالوحي الإلهي؛ إذ الوحي الإلهي علم يقيني ما فيه ظن، وعلم غير الأنبياء منه يقيني وأكثره ظني. ثم النبوة ملازمة للعصمة ولا عصمة لغيرهم، ولو بلغ في العلم والعمل ما بلغ، والخبر عن الشيء يصدق ببعض أركانه وأهم مقاصده، غير أنا لا نسوغ لأحد إطلاق هذا إلا بقرينة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»([69])، وإن كان عني الحصر؛ أي ليس هي إلا العلم والعمل، فهذه زندقة وفلسفة"([70]) حاشاه الله من ذلك".

فابن حجر يبين أن ابن حبان يقصد أن النبوة عمادها العلم والعمل، وأن الله لم يؤت النبوة إلا من اتصف بهاتين الصفتين، ولم يقصد أن النبوة ليس هي إلا العلم والعمل.

وذكر الذهبي هذا الاتهام في "السير" ثم علق عليه فقال: "قلت: هذه حكاية غريبة، وابن حبان من كبار الأئمة، ولسنا ندعي فيه العصمة من الخطأ؛ لكن هذه الكلمة التي أطلقها، قد يطلقها المسلم، ويطلقها الزنديق الفيلسوف، فإطلاق المسلم لها لا ينبغي، لكن يعتذر عنه، فنقول: لم يرد حصر المبتدأ في الخبر، ونظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة"، ومعلوم أن الحاج لا يصير بمجرد الوقوف بعرفة حاجا، بل بقي عليه فروض وواجبات، وإنما ذكر مهم الحج، وكذا هذا ذكر مهم النبوة، إذ من أكمل صفات النبي كمال العلم والعمل، فلا يكون أحد نبيا إلا بوجودهما، وليس كل من برز فيهما نبيا؛ لأن النبوة موهبة من الحق تعالى لا حيلة للعبد في اكتسابها، بل بها يتولد العلم اللدني والعمل الصالح.

وأما الفيلسوف فيقول: النبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل، فهذا كفر لا يريده أبو حاتم، وحاشاه"([71]).

إن الذهبي هنا - منذ أكثر من ستة قرون - أبطل هذه الدعوى الخبيثة التي يعمل على إحيائها كثير من المغرضين، وبين أن ابن حبان لم يقصد من قوله هذا أن النبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل، وإنما قصد أنه لا يكون أحد نبيا إلا بوجودهما، وليس كل من امتلكهما يصبح نبيا.

ولا تؤثر مثل هذه الدعوى الباطلة في مكانة إمام كبير في الحديث مثل ابن حبان، إذ إن مكانته في الحديث لا ينكرها إلا جاحد، فقد جمع الذهبي في سيره أقوال العلماء فيه على النحو الآتي:

قال أبو سعد الإدريسي عنه: "كان على قضاء سمرقند زمانا، وكان من فقهاء الدين، وحفاظ الآثار، عالما بالطب، وبالنجوم، وفنون العلم، صنف المسند الصحيح، يعني به: كتاب "الأنواع والتقاسيم" وكتاب "التاريخ" وكتاب "الضعفاء"، وفقه الناس بسمرقند".

وقال الحاكم: "كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ، ومن عقلاء الرجال".

وقال أبو بكر الخطيب: "كان ابن حبان ثقة نبيلا فهما".

قلت - أي الذهبي: "كذا فلتكن الهمم، هذا ما كان عليه من الفقه والعربية والفضائل الباهرة، وكثرة التصانيف"([72]).

ومصنفات ابن حبان كثيرة جدا تتعدى ثلاثين كتابا، جمعها محمود إبراهيم أبو زيد في مقدمة كتاب المجروحين لابن حبان أثناء تحقيقه له، ثم ساق قول أبي بكر الخطيب عن هذه الكتب، قال: "سألت مسعود بن ناصر السجزي: أكل هذه الكتب موجودة عندكم، ومقدور عليها ببلادكم؟ فقال: إنما يوجد منها الشيء اليسير، والنزر الحقير، قال: وقد كان أبو حاتم بن حبان قد وقف كتبه، وجمعها في دار رسمها لها، فكان السبب في ذهابها مع تطاول الزمان، ضعف السلطان واستيلاء ذوي العبث والفساد على أهل تلك البلاد".

وقال الخطيب - أيضا: "ومثل هذه الكتب الجليلة كان يجب أن يكثر بها النسخ، فيتنافس فيها أهل العلم ويكتبوها ويجلدوها إحرازا لها، ولا أحسب المانع من ذلك كان إلا قلة معرفة أهل تلك البلاد بمحل العلم وفضله، وزهدهم فيه، ورغبتهم عنه، وعدم بصيرتهم به، والله أعلم"([73]).

وخلاصة القول أن ابن حبان من أئمة الحديث، أثنى عليه كثير من الأئمة الكبار وافتخروا بكتبه في السنة، وعلموا أنه أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره، فهل يتهم بالزندقة مثل هذا لقول فهموه فهما خاطئا؟!

ثامنا. قول يحيى بن معين بخلق القرآن كان تقية لا اعتقادا:

لما كانت محنة خلق القرآن، وقفت الدولة العباسية موقفا عسيرا ضد العلماء، فأجبرتهم على القول بخلق القرآن، ومن خالفها كان جزاؤه العذاب الشديد الذي لا يطيقه أحد، فمن آنس في نفسه القدرة على احتمال العذاب رفض إجابتهم بذلك، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، ومن أشفق على نفسه شدة العذاب أجابهم تقية لا اعتقادا، فلا ضير على من أجاب مثل هذا الأمر مكرها عليه، يقول الإمام الذهبي في تعليقه على رفض الإمام أحمد بن حنبل الكتابة عن يحيى بن معين؛ لقوله بخلق القرآن: "هذا أمر ضيق ولا حرج على من أجاب في المحنة، بل ولا على من أكره على صريح الكفر عملا بالآية، وهذا هو الحق، وكان يحيى - رحمه الله - من أئمة السنة فخاف من سطوة الدولة، وأجاب تقية"([74]).

"وهذه مسألة تشدد فيها الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - لما صبر في المحنة وقاسى من الشدائد، والآخرون لم يكونوا بمثل قدرته على التحمل فأجابوا تقية، أو رهبة من السلطان، ثم عادوا، وهو شيء سمح به الدين، فكان ماذا؟ فلو تركنا حديث هؤلاء لذهبت سنن كثيرة"([75]).

وذكر ابن الجوزي أن القوم إنما أجابوا في خلق القرآن مكرهين، وهم في ذلك قد استعملوا الجائز في الدين، ولكن الإمام أحمد هجرهم على وجه التأديب، ليعلم تعظيم القول الذي أجابوا عليه، فيكون ذلك حفظا لهم من الزيغ، وكذلك ليكون رادعا لغيرهم من عوام الناس، وحفظا لهم من الزيغ([76]).

ومن المعلوم لدى الناس أجمعين أن الإكراه يرفع عن المسلمين الحرج؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»([77])، فلا يؤاخذ يحيى بن معين بقوله بخلق القرآن، طالما أنه قال ذلك تقية دون اعتقاد منه في ذلك؛ إذ كان اعتقاده الثابت أن القرآن كلام الله غير مخلوق.

ومما يثبت ذلك أن عباس بن محمد الدوري قال: "سمعت يحيى بن معين يقول: القرآن كلام الله وليس بمخلوق، سمعت منه مرارا"([78]).

وعن عباس قال: "سمعت يحيى مرارا يقول: القرآن كلام الله وليس بمخلوق، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص"([79]).

ومما يثبت صحة عقيدته أنه كان من أئمة الحديث عند العلماء جميعا، فكان علي بن المديني يقول: " انتهى العلم إلى رجلين: إلى ابن المبارك، وبعده إلى يحيى بن معين"([80]).

ولم يتعده أحد في علم الرجال، فقد سئل أبو علي صالح بن محمد: "من أعلم بالحديث، يحيى بن معين أم أحمد بن حنبل؟ فقال: أما أحمد فأعلم بالفقه والاختلاف، وأما يحيى فأعلم بالرجال والكنى"([81]).

وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم عن عباس بن محمد الدوري: "رأيت أحمد بن حنبل يسأل يحيى بن معين عن روح بن عبادة من فلان؟ ما اسم فلان؟".

وقال أبو العباس الأصم عن عباس الدوري: "رأيت أحمد بن حنبل في مجلس روح بن عبادة سنة خمس ومائتين يسأل يحيى بن معين عن أشياء يقول له: يا أبا زكريا كيف حديث كذا؟ وكيف حديث كذا؟ يريد أحمد أن يستثبته في أحاديث قد سمعوها، كل ما قال يحيى كتبه أحمد، وقلما سمعت أحمد بن حنبل يسمي يحيى بن معين باسمه، إنما كان يقول: قال أبو زكريا، قال أبو زكريا"([82]).

كما أن الإمام أحمد قد روى عن يحيى في مسنده نحوا من ثلاثة وعشرين حديثا. ولاشك أن رجلا يأخذ عنه أحمد بن حنبل الحديث والعلم هو ثقة ثبت. إذن لا وجه للقول بأن الإمام أحمد رد أحاديث يحيى.

 وأما علي بن المديني فلم يقل بخلق القرآن إلا تقية أيضا، وقد كان يكفر من يقول بذلك، وهذا لا يقدح في توثيقه:

لقد حسب المغرضون أن علي بن المديني يضعف لقوله في المحنة بخلق القرآن، وقد أخطأ من ظن ذلك؛ لأن هذا لا يقدح في توثيقه؛ إذ قد عرف عن علي بن المديني كثرة صوابه، وغزارة علمه، وتحريه للحق، وورعه وتقواه، فما بالنا إذا أضفنا إلى ذلك أنه ما تلبس بهذا الخطأ إلا تقية حتى لا يقتل.

ومما يؤكد أن ابن المديني لم يقل بخلق القرآن في أثناء محنة الإمام أحمد بن حنبل إلا تقية - ما حكاه عنه محمد بن عبد الله بن عمار، قال: "قال لي ابن المديني: ما يمنعك أن تكفرهم، يعني الجهمية؟ قال: وكنت أنا أولا أمتنع عن تكفيرهم حتى قال ابن المديني ما قال، فلما أجاب إلى المحنة كتبت إليه كتابا أذكره الله - عز وجل - وأذكره ما قال لي في تكفيرهم. قال: فقال ابن المديني، أو قال أخبرني رجل عنه أنه بكى حين قرأ كتابي. قال: ثم رأيته بعد، فقلت له، فقال: ما في قلبي مما قلت وأجبت إليه شيء، ولكني خفت أن أقتل. قال: وتعلم ضعفي أني لو ضربت سوطا واحدا لمت، أو قال شيئا نحو ذلك".

وقال مسدد بن أبي يوسف القلوسي: "سمعت أبي يقول: قلت لعلي بن المديني: مثلك في علمك تجيب إلى ما أجبت إليه؟ فقال لي: يا أبا يوسف ما أهون عليك السيف".

وعن إبراهيم بن عبدالله بن الجنيد، قال: "سمعت يحيى بن معين، وذكر عنده علي بن المديني فحملوا عليه، فقلت ليحيى: يا أبا زكريا ما علي عند الناس إلا مرتد، فقال: ما هو بمرتد، هو على إسلامه، رجل خاف فقال، ما عليه؟"

وقال ابن عمار: "ودفع عني ابن أبي دؤاد امتحانه إياي من قبل ابن المديني، شفع إلى ابن أبي دؤاد، ودفع عن غير واحد من أهل الموصل من أهلي، فما أجاب ديانة إلا خوفا"([83]).

فعلي بن المديني لم يعتقد - ألبتة - أن القرآن مخلوق، بل قال بذلك تقية وإكراها. بل لقد ثبت عن ابن المديني أنه كان يكفر من قال: إن القرآن مخلوق، قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: "سمعت عليا - يعني ابن المديني - على المنبر يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن الله لا يرى فهو كافر، ومن زعم أن الله لم يكلم موسى على الحقيقة فهو كافر".

وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة أيضا: "سمعت علي بن المديني يقول قبل أن يموت بشهرين: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق، فهو كافر".

وقال عثمان بن سعيد الدارمي: "سمعت علي بن المديني يقول: هو كفر، يعني من قال: القرآن مخلوق"([84]).

وعلى فرض أنها هفوة منه فقد تاب منها، كما أنها لا تقدح في توثيقه؛ ولذا قال الذهبي في أول رده على العقيلي: "وقد بدت منه هفوة ثم تاب منها، وهذا أبو عبدالله البخاري - وناهيك به([85])ـ قد شحن صحيحه بحديث علي بن المديني، ولو تركت حديث علي، وصاحبه محمد، وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبي شيبة... لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال... ثم ما كل أحد فيه بدعة أو له هفوة أو ذنوب يقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصوما من الخطايا والخطأ، ولكن فائدة ذكرنا كثيرا من الثقات الذين فيهم أدنى بدعة، أو لهم أوهام يسيرة في سعة علمهم أن يعرف أن غيرهم أرجح منهم وأوثق إذا عارضهم أو خالفهم... وأما علي بن المديني فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي مع كمال المعرفة بنقد الرجال وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن، بل لعله فرد زمانه في معناه"([86]).

وقد يسوغ لأحد أن يطعن فيمن اختلف فيه أو تنازع الأئمة فيه جرحا وتعديلا، إلا أنه لا يسوغ لأحد أن يطعن في علم من الأعلام، اتفق على توثيقه وعدالته وفضله ومكانته السامقة وإمامته في علم الحديث.

وهذه بعض أقوال الأئمة في هذا الإمام الفذ: قال أبو حاتم الرازي: "كان علي علما في الناس في معرفة الحديث والعلل، وكان أحمد لا يسميه، إنما يكنيه تبجيلا له، وما سمعت أحمد سماه قط".

قال عنه أستاذه وشيخه سفيان بن عيينة: "والله لقد كنت أتعلم منه - أي من تلميذه علي بن المديني - أكثر مما يتعلم مني"، وكان سفيان بن عيينة يسميه حية الوادي.

وكان سفيان يقول لبعض تلامذته: "إني لأرغب بنفسي عن مجالستكم منذ ستين سنة، ولولا علي بن المديني ما جلست".

وقال عبد الرحمن بن مهدي - من كبار علماء الجرح والتعديل: "علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخاصة بحديث ابن عيينة".

وذكر شيخه ومعلمه يحيى بن سعيد القطان أنه كان يتعلم منه.

وكان أبو عبد الرحمن النسائي يقول: "كأن الله - عز وجل - خلق علي بن المديني لهذا الشأن"، أي علم الحديث.

قال عباس العنبري: "كان علي بن المديني بلغ ما لو قضي له أن يتم على ذلك لعله كان يقدم على الحسن البصري، كان الناس يكتبون قيامه وقعوده ولباسه وكل شيء يقول ويفعل، أو نحو هذا".

قال محمد بن إسحاق السراج: "سمعت أبا يحيى يقول: كان علي بن المديني إذا قدم بغداد تصدر الحلقة، وجاء يحيى وأحمد بن حنبل والمعيطي، والناس يتناظرون فإذا اختلفوا في شيء تكلم فيه علي".

قال الأعين: "رأيت علي بن المديني مستلقيا، وأحمد بن حنبل عن يمينه، ويحيى بن معين عن يساره، وهو يملي عليهما".

قال إبراهيم بن معقل: "سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني".

وقيل لأبي داود: "علي أعلم أم أحمد؟ قال: علي أعلم باختلاف الحديث من أحمد".

وسئل الفرهياني عن يحيي، وعلي، وأحمد، وأبي خيثمة، فقال: "أما علي فأعلمهم بالحديث والعلل، ويحيى أعلمهم بالرجال، وأحمد أعلمهم بالفقه، وأبو خيثمة من النبلاء".

وقال صالح بن محمد: "أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني".

وقال أبو عبيد الله القاسم بن سلام: "انتهى العلم إلى أربعة: أبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد بن حنبل أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به، ويحيى ابن معين أكتبهم له".

وكان شديد الحرص على تقصي طرق الحديث وتتبعه، حتى قال له شيخه يحيى بن سعيد القطان: "ويحك يا علي، إني أراك تتبع الحديث تتبعا لا أحسبك تموت حتى تبتلى"([87]).

إنه الإمام المبرز في علم الحديث، والذي أجمع على عدالته وتوثيقه والإشادة بفضله والتنويه بغزارة علمه جمهور أئمة الجرح والتعديل؛ ولذا لا يعتد بمن شذ عن هذا الإجماع، ولا يلتفت إلى كلام من خالفهم، ونعود إلى ما قررناه سابقا من أنه لا يقبل الجرح في حق من استفاضت عدالته واشتهرت إمامته، ولذا لا يلتفت إلى أي قول في تضعيف علي بن المديني، إذ قد استفاضت شهرته وإمامته وعدالته وتوثيقه بين أهل التخصص فضلا عن غيرهم.

وبناء على ما سبق فإن الإمام علي بن المديني لا يجوز تضعيفه، وإن كان قد قال بخلق القرآن تقية وخوفا من القتل؛ ولأنه قد تاب من هذا بعد، وكان يكفر من يقول بخلق القرآن، وكان يكفر الجهمية.

وإن عددنا هذه هفوة منه - ولكل عالم هفوة - فهي لا تقدح في توثيقه أو توهين حديثه بعد أن اتفق على توثيقه وعدالته.

تاسعا. الإمام المروزي وموقفه من قضية خلق القرآن:

ذكر الذهبي أن الحافظ أبا عبد الله بن منده قال: "صرح محمد بن نصر المروزي بأن الإيمان مخلوق، فقال الذهبي: قلت: الخوض في ذلك لا يجوز، وكذلك لا يجوز أن يقال: الإيمان، والإقرار والقراءة، والتلفظ بالقرآن غير مخلوق، فإن الله قد خلق العباد وأعمالهم. والإيمان قول وعمل، والقراءة والتلفظ: من كسب القارئ، والمقروء والملفوظ: هو كلام الله ووحيه وتنزيله، وهو غير مخلوق، وكذلك كلمة "الإيمان"، وهي قول: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" داخلة في القرآن، وما كان في القرآن فليس بمخلوق، والتكلم بها من فعلنا، وأفعالنا مخلوقة، ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا له، قمنا عليه، وبدعناه، وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما"([88]).

ولذلك، فلا يحق لمدع أن يوجه كلام الإمام المروزي توجيها آخر يؤدي به إلى القول بخلق القرآن؛ وذلك لأن الإمام المروزي قد نص في تصريحه على القول باللفظية، وهي مسألة خلافية، اختلف فيها كل من البخاري والكرابيسي وأحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي، فأنكر ذلك الإمام أحمد والذهلي؛ لأن اللفظ يراد به أمران: أحدهما الملفوظ نفسه، وهو غير مقدور للعبد، ولا فعل له فيه، والثاني التلفظ به والأداء له، وهو فعل العبد، فإطلاق الخلق على اللفظ قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو خطأ، فمنعا الإطلاقين لذلك، أما الإمام البخاري والكرابيسي فيقولان: التلاوة هي قراءتنا وتلفظنا بالقرآن، والمتلو هو القرآن المسموع بالأداء من فم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو حروف وكلمات وسور وآيات تلاها جبريل - عليه السلام - على سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سمعها من ربه عز وجل، فهما يميزان بين ما قام بالعبد، وما قام بالرب، فالقرآن عندهما جميعه كلام الله حروفه ومعانيه، وأصوات العباد وحركاتهم وأداؤهم وتلفظهم كل ذلك مخلوق بائن عن الله تعالى؛ ولذلك سوغوا أن يقال: القرآن غير مخلوق، ولفظي بالقرآن مخلوق([89]).

وعليه، فإذا سلمنا - جدلا - بأن ما صرح به الإمام المروزي من أن الإيمان مخلوق، وأن الإقرار والشهادة وقراءة القرآن بلفظ مخلوق، هو مما لا يجوز الخوض فيه، فإن ذلك لا يعني القدح في عقيدة الإمام المروزي، ولا في عدالته؛ وذلك لأن علماء الأمة قد أثنوا عليه ثناء جما، وشهدوا بعلمه.

يقول ابن حبان: "محمد بن نصر الفقيه المروزي... كان أحد الأئمة في الدنيا ممن جمع وصنف، وكان أعلم أهل زمانه بالاختلاف، وأكثرهم صيانة في العلم"([90]).

ويقول الخطيب البغدادي: "كان أبو عبد الله المروزي الفقيه من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام، وهو صاحب التصانيف الكثيرة، والكتب الجمة".

ونقل الخطيب البغدادي بعض نقول العلماء في الثناء عليه، ومنها: قول محمد بن إسحاق الدبوسي: "دخلت سمر قند، ورأيت بها محمد بن نصر المروزي، وكان بحرا في الحديث".

وقول أبي بكر الصيرفي: "لو لم يصنف المروزي كتابا إلا كتاب "القسامة" لكان من أفقه الناس، فكيف وقد صنف كتبا أخر سواه؟!".

وقول إسماعيل بن قتيبة: سمعت محمد بن يحيى غير مرة إذا سئل عن مسألة يقول: سلوا أبا عبد الله المروزي([91]).

ذكره الحاكم فقال: إمام عصره بلا مدافعة في الحديث. وقال عنه الذهبي: "كتب الكثير، وبرع في علوم الإسلام، وكان إماما مجتهدا علامة، من أعلم أهل زمانه باختلاف الصحابة والتابعين، قل أن ترى العيون مثله"([92]).

قال ابن حزم في بعض تواليفه: "أعلم الناس، من كان أجمعهم للسنن، وأضبطهم لها، وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحتها، وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه".

قال: "وما نعلم هذه الصفة - بعد الصحابة - أتم منها في محمد بن نصر المروزي، فلو قال قائل: ليس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث، ولا لأصحابه إلا ما هو عند محمد بن نصر، لما أبعد عن الصدق".

وقال الذهبي - معلقا: "هذه السعة والإحاطة ما ادعاها ابن حزم لابن نصر إلا بعد إمعان النظر في جماعة تصانيف لابن نصر"([93]).

فهل بعد ذلك يمكن القدح في عقيدة الإمام المروزي، أو في عدالته؟!

إن رجلا بهذه المكانة العلمية الرفيعة المجمع عليها في علم الحديث، وشتى علوم الإسلام محال أن يكون فاسد العقيدة، أو غير مقبول الرواية.

وعليه، فإذا سلمنا - جدلا - بأن ما صرح به الإمام المروزي هو مما لا يجوز الخوض فيه، فإن ذلك لا يعني فساد عقيدته بحال، وذلك لكونه إماما مجتهدا، والمجتهد إذا أصاب في اجتهاده فله أجران، وإن أخطأ فله أجر([94]).

لو كان الإمام المروزي متروك الحديث، أولا تقبل روايته، لبين ذلك علماء الجرح والتعديل، فلما امتنع حدوث ذلك دل على أنه ثقة، وأنه يحتج بحديثه؛ إذ إنه إمام أهل الحديث في عصره.

وبهذا يتضح أن تصريح محمد بن نصر المروزي بأن الإيمان مخلوق، وأن الإقرار والشهادة وقراءة القرآن بلفظ مخلوق، كان القصد منه الرد على من يقول: أفعال العباد وأصواتهم غير مخلوقة، وليس المقصود به أن يقول بخلق القرآن.

عاشرا: كثرة تأليف ابن خزيمة وعبد الله بن أحمد بن حنبل في مسائل الاعتقاد لا يدل على قولهما بالتجسيم، وحديث "الصورة" ينفي التجسيم:

إن كتابي "التوحيد" لابن خزيمة، و"السنة" لعبد الله بن أحمد من أهم المصنفات التي صنفت في مسائل الاعتقاد على مذهب السلف في القرن الثاني والثالث وما بعدهما، وليسا بدعا في ذلك، فهناك العديد من المصنفات التي هي على هذا المنوال، منها: كتاب "الإيمان" لأبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي، و"الرد على الجهمية" لعبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفي شيخ البخاري، و"الإيمان" للحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي، و "خلق أفعال العباد والرد على الجهمية" للإمام البخاري، و "السنة" لأبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم تلميذ الإمام أحمد، و"السنة" لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، و "الرد على الجهمية والرد على بشر المريسي" لعثمان بن سعيد الدارمي تلميذ يحيى بن معين، و "السنة" لابن أبي عاصم، و "السنة" أيضا لأبي بكر المروزي، و"الإبانة" للإمام أبي الحسن الأشعري، و " الشريعة" للإمام الآجري، و "السنة" للطبراني، و "الإيمان" و "التوحيد" كلاهما للحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، و "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي، و "الأصول" لأبي عمرو الطلمنكي... وغير ذلك.

أيقال في هؤلاء جميعا: أنهم حطبوا في هذا الحبل؟!([95]).

هذا، وللإمام ابن تيمية - شيخ الإسلام - رد على هذا الكلام، جاء في رده على من رمى الحنابلة بالتجسيم، يقول: "هذا الكلام ليس فيه من الحجة والدليل ما يستحق أن يخاطب به أهل العلم؛ فإن الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد، والإنسان لو أنه يناظر المشركين وأهل الكتاب لكان عليه أن يذكر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه والباطل الذي معهم، فقد قال الله - عز وجل - لنبيه صلى الله عليه وسلم: )ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن( (النحل: ١٢٥)، فلو كان خصم من يتكلم بهذا الكلام من أشهر الطوائف بالبدع كالرافضة، لكان ينبغي أن يذكر الحجة ويعدل عما لا فائدة فيه... وإنما اعتمد تقليد طائفة من أهل الكلام - قد خالفها أكثر منها من أهل الكلام - فقلدهم فيما زعموا أنه حجة عقلية كما فعل هذا المعترض.."([96]).

وهكذا فإن ذلك لا يقوم دليلا على كونهما من المجسمة في شيء.

أما إتيان ابن خزيمة بـ "حديث الصورة" في كتابه "التوحيد" فلا يقوم دليلا على كونه من المجسمة، فقد ذكره - رحمه الله - وتأول واجتهد فيه.

وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب، فسلم على أولئك - نفر من الملائكة جلوس - فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. فزادوه: (ورحمة الله) فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن»([97]).

فقد أورد ابن خزيمة هذا الحديث، وكذا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ـصلى الله عليه وسلم: «إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته»([98]).

وأورد أيضا من طريق ابن عجلان عن سعيد، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله - عز وجل - خلق آدم - عليه السلام - على صورته»([99]).

وقد تأول ذلك ابن خزيمة، فقال بعد أن أورد هذه الأحاديث وغيرها: توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله: «على صورته» يريد صورة الرحمن - عز وجل - عن أن يكون هذا معنى الخبر - بل معنى قوله: خلق آدم على صورته: الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم المضروب والمشتوم. أراد - صلى الله عليه وسلم - أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب، والذي قبح وجهه، فزجر - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: ووجه من أشبه وجهك؛ لأن وجه آدم شبيه وجه بنيه، فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، كان مقبحا وجه آدم - صلوات الله وسلامه عليه - الذي وجوه بنيه شبيهة بوجهه.

ثم أورد حديث ابن عمر من طريق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: «لا تقبحوا الوجه؛ فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن تعالى»([100]).

ورواه أيضا من طريق سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء مرسلا، وقال: في هذا الخبر علل ثلاث، أولاهن: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسل الثوري ولم يقل: عن ابن عمر، والثانية: أن الأعمش مدلس، لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضا مدلس، لم يعلم أنه سمعه من عطاء([101]).

وهكذا؛ فإن ابن خزيمة - رحمه الله - قد اجتهد وتأول، وكان تأويله ينفي التجسيم ولا يثبته، وإن كان قد أخطأ في تأويله، فعلينا أن نقر له بأنه بشر، والخطأ أو الإصابة من طبائع البشر جميعا، ولو أن كل من اجتهد وأخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه وصدق يقينه واعتقاده وتوخيه لاتباع الحق - أهدرناه وبدعناه، لقل وندر من يسلم من الأئمة معنا - رحمهم الله جميعا -، وعليه فالاجتهاد جائز ووارد، وكذلك الإصابة أو الخطأ في الاجتهاد أمر وارد.

وقد نبه الحافظ ابن حجر على ذلك قائلا: "واختلف إلى ماذا يعود الضمير؟ فقيل: إلى آدم، أي: خلقه على صورته التي استمر عليها إلى أن أهبط وإلى أن مات، دفعا لتوهم من يظن أنه لما كان في الجنة كان على صفة أخرى، أو ابتدأ خلقه كما وجد لم ينتقل في النشأة كما ينتقل ولده من حالة إلى حالة... وقيل: الضمير لله عز وجل، وتمسك قائل ذلك بما ورد في بعض طرقه«على صورة الرحمن»، والمراد بالصورة الصفة، والمعنى أن الله خلقه على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك، وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء"([102]).

قال ابن تيمية - رحمه الله: "لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في الحديث عائد إلى الله - عز وجل - فإنه مستفيض من طرق متعددة، عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك..ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدا إلى غير الله عز وجل، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم، كأبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصفهاني وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة"([103]).

وقال ابن قتيبة - رحمه الله: "الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه؛ لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد"([104]).

فالصورة يعبر بها ويراد الصفة، فهذه صورة هذا الأمر؛ أي صفته، فيكون المعنى خلق الله آدم على صفته من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة.

وبهذا يتبين أن الصورة كالصفات الأخرى، فأي صفة ثبتت لله تعالى بالوحي وجب إثباتها والإيمان بها. وأن الصورة هنا بمعنى الصفة؛ لأن الصورة في اللغة تطلق على الصفة.

وهكذا وجدنا أن تفسير ابن خزيمة يشبه تفسير ابن حجر أو قريبا منه، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، وإن كان ابن خزيمة قال بإعادة الضمير إلى آدم - عليه السلام - وليس إلى الله - عز وجل - فإنما كان ذلك بغية التنزيه، ولم يقصد بذلك تعطيل صفات المولى عز وجل، كما لم يقصد التجسيم رحمه الله تعالى.

قال الإمام ابن حبان فيه: "وكان - رحمه الله - أحد أئمة الدنيا علما وفقها وحفظا واستنباطا، حتى تكلم في السنن بإسناد لا نعلم سبق إليها غيره من أئمتنا، مع الإتقان الوافر والدين الشديد إلى أن توفى رحمه الله"([105]).

ومن ذلك أيضا ما ذكره السبكي عن أبي بكر بن بالويه أنه قال: "سمعت ابن خزيمة يقول: كنت عند الأمير إسماعيل بن أحمد، فحدث عن أبيه بحديث وهم في إسناده، فرددته عليه، فلما خرجت من عنده قال أبو ذر القاضي: قد كنا نعرف أن هذا الحديث خطأ منذ عشرين سنة، فلم يقدر واحد منا أن يرده عليه، فقلت له: لا يحل لي أن أسمع حديثا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه خطأ أو تحريف، فلا أرد"([106]).

وقد حدث عنه عمالقة منهم: البخاري، ومسلم، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأحمد بن المبارك المستملي، وإبراهيم بن أبي طالب، وأبو علي الحسين بن محمد النيسابوري، وأبو حاتم البستي، وأبو أحمد بن عدي وغيرهم([107]).

وأما الثاني وهو عبد الله بن أحمد بن حنبل فهو إمام حافظ ناقد، محدث روى عن أبيه شيئا كثيرا من جملته "المسند" كله، وحدث عنه عمالقة مثل: النسائي، والبغوي، وابن صاعد، وأبو بكر بن زياد، ومحمد بن مخلد، والمحاملي وغيرهم كثير.

وقد شهد له كثير من العظماء بالعلم والمكانة العالية في الحديث، وكفى بقول أبيه أحمد بن حنبل فيه، وهو ما قاله إبراهيم بن محمد بن بشير: "سمعت عباسا الدوري يقول: كنت يوما عند أحمد بن حنبل، فدخل ابنه عبد الله، فقال لي أحمد: يا عباس، إن أبا عبد الرحمن قد وعي علما كثيرا...".

وقال أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء: "وجدت على ظهر كتاب رواه أبو الحسين بن السوسنجردي عن إسماعيل بن علي الخطبي قال: بلغني عن أبي زرعة أنه قال: قال لي أحمد بن حنبل: ابني عبد الله محظوظ من علم الحديث أو من حفظ الحديث - إسماعيل الخطبي يشك - لا يكاد يذاكرني إلا بما لا أحفظ"([108]).

قال أبو أحمد بن عدي: "نبل عبد الله بن أحمد بأبيه، وله في نفسه محل في العلم، أحيا علم أبيه من مسنده الذي قرأه عليه أبوه خصوصا قبل أن يقرأه على غيره، ومما سأل أباه عن رواة الحديث فأخبره به ما لم يسأله غيره، ولم يكتب عن أحد، إلا من أمره أبوه أن يكتب عنه".

وقال بدر بن أبي بدر البغدادي: "عبدالله بن أحمد جهبذ ابن جهبذ".

وقال الذهبي: "وكان صينا دينا صادقا، صاحب حديث واتباع وبصر بالرجال، لم يدخل في غير الحديث، وله زيادات كثيرة في مسند والده واضحة عن عوالي شيوخه"([109]).

ونخلص من هذا إلى أنه لا دليل على قول ابن خزيمة وعبد الله بن أحمد بن حنبل بالتجسيم، بل أكد ابن خزيمة على نفي التجسيم. وهما إمامان عظيمان في الحديث، شهد لهما كثير من العلماء بالعلم والفضل، فلا تطعن هذه الدعوى في مثل هذين العلمين.

 الخلاصة:

·   إن من قواعد علم الجرح والتعديل، أنه لا يقبل الجرح في حق من استفاضت عدالته واشتهرت إمامته، فلا يلتفت إلى الطعن فيمن وثقه الجمهور وقبلوه؛ إذ الحكم لعموم قول الجمهور لا لمن شذ عنهم بلا دليل أو بينة.

·   إن راوي الحديث إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زللـه، ولا نضلله ونطرحه وننسى فضله ومحاسنه، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه.

·   إن الراوي إذا كان صاحب بدعة، لا ترد روايته ببدعته، إلا إذا وجدت ضميمة أخرى؛ كأن يكون الراوي غير عدل أو غير ضابط، وأكبر ضميمة توجب رد رواية المبتدع أن يكون داعيا لبدعته منتصرا لها، فإن لم يكن داعيا لبدعته ولا ناصرا لها، ووثقه العلماء المعتبرون قبلت روايته ولم ترد.

·   من اتهم محمد بن إسحاق بالقدر قد اعتمد على أدلة ضعيفة لا تصح، ذكر بعضها الذهبي بصيغة التمريض، وهي روايات ضعيفة، بل إن الرواية الأخرى نصت على بعده عن ذلك فقالت: "كان يرمى بالقدر، وكان أبعد الناس عنه"، وحديثه قد احتج به الأئمة، وهو صالح الحال، صدوق، حسن الحديث، روى له البخاري ومسلم وجميع الأئمة.

·   إن حفظ الإمام الدارقطني لديوان السيد الحميري الشيعي لا يعني تشيعه وإيمانه بما فيه من العقائد الشيعية، وإنما كان حفظه له لحسن نظمه وجزالة لفظه كما قال الذهبي، ويؤكد نفي التشيع عنه ما ثبت عنه أنه قال بتفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، وقد أخذ على الحميري سبه الصحابة، وجرحه لذلك، لهذا فقد عد أميرا للحديث في عصره.

·   إن حديث "رد الشمس لعلي" حديث ضعيف، لكن تصحيح السيوطي له لا يدل على تشيعه، فقد صححه عدد من العلماء قبله؛ منهم الطحاوي في "مشكل الآثار"، والقاضي عياض، وأنكر ابن حجر القول بوضعه ووصفه بأنه ضعيف لا موضوع، وأما تصنيفه في آل البيت لا يعد تشيعا؛ إذ إن حب آل البيت واجب على المسلمين أجمعين، وكتاب "ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى" ليس للسيوطي، وإنما هو لمحب الدين الطبري الشيعي، فلا علاقة له به.

·   إن ما فعله ابن جرير الطبري المفسر في جمعه لطرق حديث "غدير خم" ليس إلا لبيان درجة الحديث وتوضيح صحته أو ضعفه، وليس تشيعا منه لذلك، وهذا لا يدل على تشيعه، لاسيما وقد كان تشدده ظاهرا في الإنكار على من نفى إمامة أبي بكر وعمر، بل قال بقتل من يقول ذلك.

وأما كتاب " بشارة المصطفى" فليس لابن جرير المفسر، بل هو من تأليف محمد بن جرير بن رستم أبو جعفر الطبري الشيعي الرافضي، وليس من تأليف ابن جرير الإمام المفسر، وكان ابن جرير المفسر ثقة في الحديث، صادقا، حافظا، رأسا في العلوم جميعها.

·   إن دعوة ابن حزم للدولة الأموية لا يدل على نصبه؛ لأن النصب هو بغض علي رضي الله عنه، ولا علاقة بينهما، ولم يخرج منه ما يدل على بغضه لعلي، بل ثبت عنه مدحه لعلي في مواضع كثيرة فقال عنه: "وهو الأسد شجاعة قد عرض نفسه للموت بين يدي رسول الله مرات"، وقال: "فهو الإمام بحق، وما ظهر منه قط إلى أن مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء يوجب نقض بيعته"، وقال عن قتال علي ومعاوية: "فعلي المصيب في هذا".

وورد عن ابن حزم ذمه للدولة الأموية، وبيان خطأ بعض ولاتها، كالحجاج بن يوسف الثقفي، وقد دافع هو عن نفسه ضد أي شبهة، حين أوجب حب علي دون مغالاة في ذلك.

·   إن مقصد ابن حبان من قوله " النبوة: العلم والعمل" أنهما عماد النبوة؛ لأن الله لم يؤت النبوة والوحي إلا لمن اتصف بهذين النعتين، ولا سبيل إلى تحصيل هذين الوصفين بكمالهما إلا بالوحي الإلهي، ولم يرد أن النبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل؛ لأن هذا كفر لا يريده ابن حبان وحاشاه من ذلك، وكيف يقول ذلك ويوثقه العلماء ويجعلونه إماما في الحديث؟!

·   إن قول يحيى بن معين بخلق القرآن كان تقية؛ إذ وقفت الدولة العباسية موقفا عسيرا ضد من لم يجبهم إلى القول بخلق القرآن، فاضطر العلماء إلى القول بذلك تقية دون اعتقاد منهم بذلك، ولا ضير على من قال بمثل ذلك مكرها، بل لا ضير على من صرح بالكفر مكرها.

أما عن إنكار الإمام أحمد عليه فهذا لأنه تحمل في هذه المحنة كثيرا، وأراد بذلك التأديب؛ ليعلم تعظيم القول الذي أجابوا عليه، فيكون ذلك حفظا لهم من الزيغ.

ويؤكد صحة اعتقاده ما رواه الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: "إن القرآن كلام الله وليس بمخلوق، سمعت منه مرارا". ولم يتعداه أحد في علم الرجال، بل كان الإمام أحمد يسأله كثيرا في ذلك ويأخذ عنه.

·   لم يقل ابن المديني بخلق القرآن إلا تقية حتى لا يقتل، ولم يعتقد ذلك ألبتة، بل كان يقول على المنبر: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، وعلى فرض أنها هفوة منه فإنها لا تقدح في توثيقه، فقد شحن البخاري صحيحه بحديثه، وكان إليه المنتهى في علل الحديث، مع كمال المعرفة بنقد الرجال، وسعة الحفظ، والتبحر في هذا الشأن، ولا يسوغ لأحد أن يطعن فيمن استفاضت عدالته.

·   إن تصريح محمد بن نصر المروزي بأن الإيمان مخلوق، وأن الإقرار والشهادة وقراءة القرآن بلفظ مخلوق، كان القصد منه الرد على من يقول: أفعال العباد وأصواتهم غير مخلوقة، فإن الله قد خلق العباد وأعمالهم، والإيمان قول وعمل، والقراءة والتلفظ من كسب القارئ، والمقروء والملفوظ هو كلام الله ووحيه وتنزيله، وهو غير مخلوق. وهذا لا يقدح في عقيدته ولا في عدالته، فإن علماء الجرح والتعديل قد أثنوا عليه ثناء جما، وشهدوا بمنزلته الرفيعة في شتى علوم الإسلام.

·   إن كثرة تأليف ابن خزيمة وعبد الله بن أحمد بن حنبل في مسائل الاعتقاد لا يدل على قولهما بالتجسيم؛ لأن مؤلفاتهما في ذلك كلها على مذهب السلف، لا تؤيد مذهب التجسيم، وهما ليسا بدعا في هذا؛ إذ كثرت المؤلفات في مثل هذه المسائل على عهدهما، فنجد البخاري والأثرم وابن أبي شيبة وابن الأشعث والدارمي قد ألفوا في ذلك، ولا يمكن أن يقال عليهم أنهم حطبوا في هذا الحبل!

·   إن حديث " الصورة" الذي أورده ابن خزيمة في صحيحه حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وقد تأوله ابن خزيمة بما ينفي التجسيم ولا يثبته؛ إذ قال بأن الضمير في «خلق الله آدم على صورته» يعود على آدم - عليه السلام - وليس على المولى عز وجل، ومن قال بأن الضمير يعود على الله - عز وجل - لا يثبت التجسيم أيضا؛ لأن المراد بالصورة الصفة، أي أن الله خلقه على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك مع انتفاء مماثلة صفات الله تبارك وتعالى لصفات البشر لقوله تعالى: )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11)( (الشورى: ١١).

وفي النهاية فإن هؤلاء الأئمة صفحتهم بيضاء لا يستطيع أحد أن يغبرها، وعقيدتهم صحيحة على مذهب أهل السنة والجماعة، وما هذه الدعاوى الخبيثة في تأثيرها عليهم إلا كمن يلقي في البحر مخيطا لينقصه فلينظر بما يرجع، وهذا لا يقلل من مكانتهم ولا يؤثر في عدالتهم أبدا؛ إذ لا يقبل الجرح في حق من استفاضت عدالته واشتهرت إمامته، ولهذا فلا تقبل مثل هذه الهنات في بحور علمهم.

 



(*) خصائص أهل الحديث والسنة و بيان منهجهم وفضائلهم والدفاع عنهم، محمد محب الدين أبو زيد، دار ابن الجوزي، القاهرة، ط1، 1426هـ/ 2005م. اتهامات لا تثبت، سليمان بن صالح الخراشي، مكتبة الرشد، السعودية، ط1، 1425هـ/2004م.

[1]