الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

ادعاء أن عليا - رضي الله عنه - رفض القصاص من قتلة عثمان وأن معاوية - رضي الله عنه - اتخذ هذا الرفض ذريعة لمعارضته(*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعص المشككين أن علي بن أبي طالب رفض أن يسلم قتلة عثمان بن عفان لمعاوية - رضي الله عنهم - كي يقتص منهم، وما كان هذا الرفض من علي إلا لأنهم نصبوه خليفة، إذ كانوا أول من بايعه، فكيف يتنكر لصنيعهم هذا ويسلمهم بيده للقتل؟! ويقولون: إن معاوية - رضي الله عنه - قد اتخذ من طلبه القصاص من قتلة ابن عمه - عثمان رضي الله عنه - ذريعة لبلوغ أهدافه السياسية، والوصول إلى كرسي الخلافة. ويهدفون من وراء ذلك إلى تشويه تاريخ صحابيين جليلين، وتصويرهما على أنهما من ذوي الأهواء الشخصية.

وجوه إبطال الشبهة:

1) إن محاصري عثمان - رضي الله عنه - وقاتليه ليسوا معينين، وإن نصت بعض مصادر التاريخ - على خلاف بينها - على أسماء من باشر قتله، فليس من السهولة بمكان - إذا - أن يقتص من قاتليه قبل أن يستتب الأمن، وتقوم البينة.

2) أجمعت الروايات التاريخية الصحيحة على أن المهاجرين والأنصار جميعهم بايعوا عليا بالخلافة، ولم يكن لقتلة عثمان أية علاقة ببيعته.

3) إن الصحابة جميعا برآء من دم عثمان، وقد انقسموا بصدد مسألة القصاص من قاتليه إلى طوائف ثلاث؛ فطائفة اعتزلت الفتنة، وطائفة طالبت بدم عثمان، وثالثة تريثت في تنفيذ القصاص، وعلى رأس هذه الطائفة علي - رضي الله عنه - الذي رأى أن المصلحة تقتضي تأخير القصاص لا تركه.

4) لم يتخذ معاوية طلبه بتعجيل القصاص من قتلة عثمان ذريعة لبلوغ أهدافه السياسية، والوصول إلى كرسي الخلافة، والأدلة على ذلك كثيرة؛ منها: أنه لم يدع الخلافة، ولم ينازع عليا فيها، بل اعترف بأحقيته بها.

التفصيل:

أولا. لم يتعين لعلي - رضي الله عنه - قتلة عثمان ولا محاصروه ولم يكن من السهولة بمكان أن يقتص منهم إلا بعد استتباب الأمر وقيام البينة:

من الثابت تاريخيا أن الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - اتفقوا على البيعة لعثمان بن عفان - رضي الله عنه - بالخلافة في اليوم الأخير من شهر ذي الحجة سنة 23 هـ الذي يقابل اليوم السادس من نوفمبر سنة 644م [1]، وكانت مدة خلافته اثنتي عشرة سنة، قسمها المؤرخون إلى عهدين؛ عهد سلام وأمان وطمأنينة، وعهد اضطرابات ونزاعات وفتن.

يقول الإمام الزهري: "ولي عثمان - رضي الله عنه - اثنتي عشرة سنة أميرا للمؤمنين، أول ست سنين منها لم ينقم الناس عليه شيئا، وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ؛ لأن عمر كان شديدا عليهم، أما عثمان فقد لان لهم ووصلهم، ثم حدثت الفتنة بعد ذلك، وقد سمى المؤرخون المسلمون الأحداث في النصف الثاني من ولاية عثمان (30: 35هـ) "الفتنة" التي أدت إلى استشهاد عثمان رضي الله عنه" [2].

ولا يهمنا الآن أن نسرد الأسباب والعوامل التي أدت مجتمعة إلى هذه الفتنة، التي كان من أهم نتائجها مقتل الخليفة الراشد عثمان - رضي الله عنه - سنة 35 هـ [3]. وإنما الذي يهمنا هنا أن نثبت ما حدث في أيام الفتنة الأخيرة قبيل استشهاد عثمان - رضي الله عنه - فنعرض لما قام به الباغون وقتئذ من خروجهم عليه، وحصارهم إياه في بيته، مركزين على مشهد قتله - رضي الله عنه ـ؛ لنحاول الإجابة عن هذا السؤال: هل نصت مصادر التاريخ قديمها وحديثها على هؤلاء المحاصرين القتلة البغاة بأعيانهم وذواتهم، أو أن الأمر كان على خلاف ذلك؟!

تذكر كتب التاريخ أن أناسا من أهل البصرة، وأناسا من أهل الكوفة، وأناسا من أهل مصر، خرجوا في السنة الخامسة والثلاثين من هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - يظهرون أنهم يريدون الحج، وقد أبطنوا الخروج على عثمان - رضي الله عنه - واختلف في أعدادهم، وليست هناك إحصائية دقيقة لها، ولكنهم - على أية حال - لا يقلون عن ألفين ولا يزيدون عن ستة آلاف.

وقد دخل هؤلاء مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا من فرسان قبائلهم، جاءوا لعزل عثمان - رضي الله عنه - إما بالتهديد وإما بالقوة، وحاصروا بيته، وأمروه أن يخلع نفسه من الخلافة، وقد اختلف في مدة الحصار، ولكنها - على أية حال - لا تزيد عن واحد وأربعين يوما، وقد منع هؤلاء البغاة عثمان - رضي الله عنه - من الصلاة بل ومن الماء [4].

ويعرض ابن الأثير للحظات الأخيرة في حياة ذي النورين عثمان - رضي الله عنه - فيقول: "ثار قتيرة وسودان بن حمران والغافقي، فضربه الغافقي بحديدة معه وضرب المصحف برجله، فاستدار المصحف واستقر بين يديه، وسالت عليه الدماء، وجاء سودان وضرب عثمان فقتله، وقيل: الذي قتله كنانة بن بشر التجيبي، وكان عثمان رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة يقول له: إنك تفطر الليلة عندنا، فلما قتل سقط من دمه على قوله عز وجل: )فسيكفيكهم الله( (البقرة: 137)، ودخل غلمة لعثمان مع القوم لينصروه، فلما ضربه سودان ضرب أحد الغلمان رقبة سودان فقتله، ووثب قتيرة على الغلام فقتله، وأما عمرو بن الحمق فوثب على صدره وبه رمق، فطعنه تسع طعنات، قال: فأما ثلاث منها فإني طعنتهن إياه لله - عز وجل - وأما ست فلما كان في صدري عليه، وأقبل عمير بن ضابئ فوثب عليه، فكسر ضلعا من أضلاعه، وقال: سجنت أبي حتى مات في السجن، وكان قتله لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين يوم الجمعة". [5] وقيل: المشهور أن الذي قتله رجل من مصر يقال له "جبلة" [6].

فلدينا ستة بغاة باشروا قتل عثمان - رضي الله عنه - فلقد توزع دمه بين أكثر من قاتل، وجاء قتله على مراحل عدة، ولم يكن دفعة واحدة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الذين حاصروه داخل بيته، وخارجه ليسوا معروفين بذواتهم وأعيانهم.

ولسنا نستبعد أن يشارك أحد البغاة ممن لم ينص المؤرخون على أسمائهم في قتل عثمان، وعلى أية حال فإن محاصري عثمان داخل بيته وخارجه، والذين منعوه الماء - أهم مقومات الحياة - لا يمكن بحال أن يستثنوا ممن أطلق المؤرخون عليهم (قتلة عثمان).

ثانيا. هل شارك قتلة عثمان في بيعة علي؟

لقد ادعى مثيرو هذه الشبهة أن قتلة عثمان - رضي الله عنه - هم الذين نصبوه خليفة للمسلمين عقب قتلهم عثمان - رضي الله عنه - ليرتبوا على ادعائهم هذا شبهة الطعن في علي - رضي الله عنه -، مؤداها أنه - رضي الله عنه - امتنع بعد أن عين خليفة عن أن يدفع بهؤلاء القتلة إلى معاوية - رضي الله عنه - كي يقتص منهم، وما كان امتناع علي عن ذلك إلا ردا لجميل هؤلاء، وشكرا لصنيعهم، إذ عينوه خليفة، فكيف يعينونه خليفة، ثم يأتي هو بعد ذلك فينكر جميلهم ويسلمهم لمعاوية ليقتص منهم؟! إنهم يلمحون بادعاءاتهم هذه إلى أن عليا كان راضيا عما صنعه البغاة بعثمان، متطلعا للخلافة بعده!

لقد رمى هؤلاء الطاعنون بالوقائع التاريخية - التي تثبتها كتب التاريخ الصحيحة - عرض الحائط، وراحوا يستندون إلى روايات ضعيفة لا تقوم على أساس ولا تقوى أمام ما تثبته مصادر التاريخ الصحيحة.

فلنرجع إذا إلى المصادر التاريخية لنطالع ما روته من بيعة علي - رضي الله عنه - وهل كان قتلة عثمان - رضي الله عنه - ضمن المبايعين، فضلا عن أن يستبدوا بهذا الأمر دون من عداهم من الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - ويعينوه خليفة أم لا؟!

تذكر المصادر التاريخية أن بيعة علي - رضي الله عنه - تمت بطريقة الاختيار، وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان - رضي الله عنه - على أيدي الخارجين المارقين الذين جاءوا من الآفاق ومن أمصار مختلفة، وقبائل متباينة، فبعد أن قتلوه ظلما وعدوانا، قام كل من بقي بالمدينة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمبايعة علي - رضي الله عنه - بالخلافة؛ وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق في ذلك الوقت، ولم يكن على حريصا عليها؛ ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد ممن بقي من الصحابة بالمدينة، وخوفا من ازدياد الفتن وانتشارها.

وجاء عن محمد بن الحنفية أنه قال: «كنت مع علي - رحمه الله - وعثمان محصور، قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول، ثم جاء آخر فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: فقام علي، قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفا عليه، فقال: خل لا أم لك، قال: فأتى على الدار وقد قتل الرجل - رضي الله عنه - فأتى داره فدخلها، وأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا على الباب، فدخلوا عليه، فقالوا: إن هذا قد قتل - يقصدون عثمان - ولا بد للناس من خليفة، ولا نعلم أحدا أحق بها منك، قال لهم علي: لا تريدوني؛ فإني لكم وزير خير مني لكم أمير، فقالوا: لا، والله لا نعلم أحدا أحق بها منك، قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرا، ولكن أخرج إلى المسجد، فمن شاء أن يبايعني بايعني، قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس»[7] [8].

وتنص كتب التاريخ على أن المشهور من أمر بيعة علي، أنه بويع من المهاجرين والأنصار جميعهم، وأن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة تخلفوا عن القتال معه، أما البيعة فقد بايعوه [9].

ونخلص من هذا كله إلى أن الرجوع إلى مصادر التاريخ الصحيحة ينفي نفيا قاطعا أن يكون قتلة عثمان - رضي الله عنه - هم الذين نصبوا عليا خليفة للمسلمين، واستبدوا بهذا الأمر دون أهل الحل والعقد من الصحابة الكرام.

كما ينفي أن يكون هؤلاء هم أول من بايع عليا، وأن بعض الصحابة أكره على البيعة، كما ذهب هؤلاء استنادا إلى روايات لا أصل لها ولا سند يعتد به.

ثالثا. انقسم الصحابة بصدد القصاص من قتلة عثمان إلى طوائف ثلاثة؛ طائفة اعتزلت الفتنة، وأخرى طالبت بدم عثمان، وثالثة تريثت:

إن الصحابة جميعا - رضي الله عنهم - برآء من دم عثمان - رضي الله عنه - ومن قال خلاف ذلك فكلامه باطل، ولا يستطيع أن يقيم عليه أي دليل ينهض إلى مرتبة الصحة؛ ولذلك أخرج خليفة بن خياط في تاريخه عن عبد الأعلى بن الهيثم، عن أبيه، قال: قلت للحسن: أكان فيمن قتل عثمان - رضي الله عنه - أحد من المهاجرين والأنصار؟ قال: لا، كانوا أعلاجا من أهل مصر [10].

لقد كان مقتل عثمان - رضي الله عنه - سببا مباشرا في خلق أزمة أخرى، تضاربت فيها الآراء، وتباينت فيها وجهات النظر، واختلفت الاجتهادات في وسيلة الانتقام من الثوار الذين قتلوا عثمان - رضي الله عنه - وقد أدى اختلاف الصحابة في اجتهادهم في كيفية التعامل مع الأحداث زمن الفتنة، إلى انقسامهم إلى طوائف ثلاث [11]:

1.   طائفة معتزلي الفتنة: وهم أغلب الصحابة رضي الله عنهم.

2. طائفة المطالبين بدم عثمان رضي الله عنه: وقد رأت هذه الطائفة أن أول واجب على الأمة هو الثأر لخليفتها الشهيد، والقصاص من القتلة الآثمين. ومن الصحابة الذين مثلوا هذه الطائفة: طلحة، والزبير، وعائشة، ومعاوية رضي الله عنهم.

3.   طائفة المتريثين في تنفيذ القصاص: وعلى رأس هذه الطائفة: علي، وعمار، والقعقاع رضي الله عنهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم يقتل علي - رضي الله عنه - ومن معه قتلة عثمان؟!

كان علي - رضي الله عنه - ينظر إلى مسألة "القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه" نظر مصلحة ومفسدة، فرأى أن المصلحة تقتضي تأخير القصاص لا تركه، فأخر القصاص من أجل هذا؛ وذلك أنه لا يستطيع أن يقتل قتلة عثمان؛ لأنهم غير معروفين بأعيانهم، وإن كان هناك رؤوس للفتنة، ولهم قبائل تدافع عنهم، والأمن غير مستتب، وما زالت الفتنة قائمة، ومن يقول: إنهم لن يقتلوا عليا رضي الله عنه [12]؟

"إن عليا - رضي الله عنه - كان ينتظر بقتلة عثمان أن يستوثق الأمن، وتجتمع الكلمة، ويرفع الطلب من أولياء الدم، فيحضر الطالب للدم والمطلوب، وتقع الدعوة، ويكون الجواب، وتقوم البينة، ويجري القضاء في مجلس الحكم بالحق، ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة، وتشتيت الكلمة" [13].

يضاف إلى هذا أن العلاقة التي جمعت بين علي وعثمان - رضي الله عنهما - في حياة عثمان، وأقوال علي التي روتها كتب التاريخ، والسير الصحيحة بعد وفاة عثمان - رضي الله عنه - تنفي نفيا قاطعا أن يكون لعلي يد في مقتل عثمان، أو أنه حمى قاتليه وأيدهم كما يدعي الطاعنون.

ولننظر معا إلى مقتطفات موجزة من هذه العلاقة، وتلك الأقوال:

·       كان علي أول من بايع عثمان بعد عبد الرحمن بن عوف.

·       كان علي طائعا معترفا بإمامة عثمان وخلافته، لا يعصي له أمرا.

·   لما جمع عثمان - رضي الله عنه - الناس على قراءة واحدة، قال علي - رضي الله عنه -: لو وليت الذي ولي، لصنعت مثل الذي صنع.

·   أنكر علي - رضي الله عنه - قتل عثمان - رضي الله عنه - وتبرأ من دمه، وكان يقسم في خطبه علي أنه لم يقتله ولا أمر بقتله ولا مالأ ولا رضي، وقد ثبت ذلك عنه بطرق تفيد القطع.

·   عن محمد بن الحنفية قال: بلغ عليا أن عائشة - رضي الله عنها - تلعن قتلة عثمان، قال: فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه، قال: وأنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم الله في السهل والجبل، قالها مرتين أو ثلاثا [14].

نخلص مما سبق كله إلى أن ثمة ثلاثة أدلة تنفي نفيا قاطعا أن يكون علي راضيا عما صنع بعثمان، فضلا عن أن يكون مؤيدا لقاتليه وحاميا إياهم؛ ومن هذه الأدلة ما يأتي:

·       التفسير الصحيح لعدم تعجيله بالقصاص من هؤلاء القتلة.

·       العلاقة الحميمة التي جمعت بين الصحابيين الكريمين، والتي لم تشبها أية شائبة.

·       أقوال علي في عثمان - كلما تذكر مقتله - والتي روتها كتب التاريخ والسير الصحيحة.

رابعا. الأدلة على أن معاوية - رضي الله عنه - لم يتخذ من طلبه بتعجيل القصاص من قتلة عثمان ذريعة لبلوغ أهدافه السياسية:

ليس صحيحا ما ادعاه مثيرو هذه الشبهة من أن معاوية - رضي الله عنه - اتخذ من الطلب بتعجيل القصاص من قتلة ابن عمه عثمان - رضي الله عنه - ذريعة لبلوغ أهدافه السياسية، والوصول إلى كرسي الخلافة، وذلك بمحاربته عليا - رضي الله عنه - ومن معه.

إن المطالع لما روته كتب التاريخ والسير الصحيحة في هذا الصدد ليجد أن ثمة أربعة أدلة تنقض هذا الادعاء من أساسه، وتبرئ معاوية - رضي الله عنه - مما نسب إليه، وإليك هذه الأدلة:

الدليل الأول: سيرته - رضي الله عنه - منذ أسلم[15]:

إن سيرة معاوية - رضي الله عنه - ناصعة البياض، شأنها شأن سير الصحابة الكرام جميعهم، وإنا نحيل مثيري هذه الشبهة ممن وصفوه بأنه رجل دنيا إلى كتب التاريخ والسير؛ ليروا نقاء سيرته منذ أسلم.

لقد أحبه النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعا له الدعوة المباركة التي سطرها التاريخ: "اللهم اجعله هاديا مهديا واهده واهد به"، وقد أهلته صفاته الخلقية والنفسية لأن يكون واليا على بلاد الشام في خلافتي عمر وعثمان - رضي الله عنهما - وقد جاهد في سبيل الله، ففتح الله - عز وجل - على يديه قيسارية، وقبرص.

الدليل الثاني: التفسير الصحيح لأمر تعجيله بطلب القصاص من قتلة عثمان:

أشرنا منذ قليل إلى أن معاوية - رضي الله عنه - كان في مقدمة المطالبين بتعجيل القصاص من قتلة عثمان - رضي الله عنه - ولقد اعتقد هو ومن معه من الصحابة الكرام رضي الله عنهم "أن قـتـل عثـمان - وهو ابن عم معاوية - ـ رضي الله عنه - منكر من أعظم المنكرات، وإزالة المنكر من حيث هو لمن قدر عليه فرض كفاية، لا يتوقف على إمام يرجع إليه فيه، ومنزلتهم في الإسلام وعند المسلمين تخول لهم ذلك، وهذا ما يبرر خروجهم إلى البصرة، إلا أنهم متأولون في فهمهم هذا في استعجالهم إزالة هذا المنكر، حيث خفي عليهم أن إزالة هذا المنكر يتعلق بالقصاص من المرتكبين له، وأخذ القصاص منهم يتوقف على الإمام وإقامة أولياء المقتول البينة على الجاني عنده، ثم حكمه بمقتضى ذلك، لكن اجتهادهم أداهم إلى ذلك، فما يمكن أن يقال فيهم أنهم مجتهدون مخطئون لهم أجر واحد على اجتهادهم"[16]. فمعاوية إذا كان صادقا في إظهاره الطلب بدم عثمان، ومتسقا مع المعهود من شريعة الإسلام وقيم العرب [17].

الدليل الثالث: لم يدع معاوية الخلافة، ولا نازع عليا فيها:

هل نازع معاوية عليا الخلافة[18]؟

إن الخلاف الذي نشأ بين أمير المؤمنين علي من جهة، وطلحة، والزبير، وعائشة - رضي الله عنهم - من جهة أخرى، ثم بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - بعد ذلك لم يكن سببه ومنشؤه أن هؤلاء كانوا يقدحون في خلافة علي وإمامته، وأحقيته بالخلافة والولاية علي المسلمين، فقد كان هذا محل إجماع بينهم.

قال ابن حزم: ولم ينكر معاوية قط فضل علي، واستحقاقه الخلافة، وقال ابن تيمية: ومعاوية لم يدع أنه خليفة، ولم يبايع له بها حين قاتل عليا، ولم يقاتل علي أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة.

ومما يقطع ألسنة المغرضين ويبهتهم تلك الرواية التي رويت عن أبي مسلم الخولاني، وهاك نصها: عن أبي مسلم الخولاني أنه دخل على معاوية - رضي الله عنه - فقال له: أنت تنازع عليا، أأنت مثله؟ فقال معاوية: لا، والله إني لأعلم أن عليا أفضل وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان - رضي الله عنه - قتل مظلوما؟ وأنا ابن عمه، وأنا أطلب بدمه [19].

الدليل الرابع: الأقوال التي أثرت عن معاوية حينما بلغه مقتل علي:

تذكر كتب التاريخ أن معاوية - رضي الله عنه - لماجاءه خبر قتل علي - رضي الله عنه - جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل، والفقه، والعلم.

كما تذكر أنه كان يسأل عليا عما ينزل به، فيفتيه، فلما بلغه قال: ذهب الفقه، والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام، فقال له: دعني عنك [20].

ونخلص مما سبق إلى أن غاية ما يقال فيما حدث من فتنة بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - أن كل واحد منهما كان لا يريد إلا الله والدار الآخرة، وقد اجتهدا، والمجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد، ونحن على يقين من أن أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - كلهم عدول لا يريدون الدنيا وزينتها الفانية، ولا يطمعون في شيء من حطامها [21].

الخلاصة:

·  إن محاصري عثمان - رضي الله عنه - وقاتليه ليسوا معروفين بأعيانهم، وإن نصت بعض مصادر التاريخ - على خلاف فيما بينها - على أسماء القتلة الذين باشروا قتله - رضي الله عنه - والثابت أن قتله لم يأت دفعة واحدة، بل إن ثمة أكثر من قاتل، اشتركوا في قتله - رضي الله عنه - ومن هنا كان اختلاف المصادر التاريخية في النص على قاتله، فليس من السهولة بمكان إذا أن يقتص من قاتليه قبل أن يستتب الأمن، وتقوم البينة.

·  اعتمد مثيرو هذه الشبهة على روايات تاريخية موضوعة، استندوا إليها في ادعائهم أن قتلة عثمان هم الذين نصبوا عليا خليفة للمسلمين، أو على الأقل هم أول من بايعه. وهذه الروايات المكذوبة لا تقوى أمام الروايات التاريخية الصحيحة التي تنص على أن المهاجرين والأنصار جميعهم بايعوا عليا.

·  إن الصحابة جميعا برآء من دم عثمان - رضي الله عنه - ومن قال خلاف ذلك فكلامه باطل، وقد أدى اختلاف اجتهادهم - بصدد قتلة عثمان - إلى انقسامهم إلى طوائف ثلاث: طائفة اعتزلت الفتنة، وأخرى طالبت بدم عثمان، وثالثة تريثت في تنفيذ القصاص، وثمة ثلاثة أدلة تنفي نفيا قاطعا أن يكون على راضيا عن قتل عثمان، أو مؤيدا لقاتليه، وهي:

o       التفسير الصحيح لعدم تعجيله بالقصاص من هؤلاء القتلة.

o       العلاقة الحميمة التي جمعت بين الصحابيين الكريمين.

o       أقوال على في عثمان، كلما تذكر مقتله.

·  إن ثمة أربعة أدلة تنفي نفيا قاطعا أن يكون معاوية - رضي الله عنه - متخذا من الطلب بتعجيل القصاص من قتلة ابن عمه عثمان - رضي الله عنه - ذريعة لبلوغ أهدافه السياسية، والوصول إلى كرسي الخلافة، بدلا من أن يكون مجرد وال على بلاد الشام، وهذه الأدلة هي:

o       سيرته - رضي الله عنه - منذ أسلم.

o       التفسير الصحيح لأمر تعجيله بطلب القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه.

o       عدم ادعائه الخلافة، وعدم منازعته عليا فيها، واعترافه بأحقية علي بها.

o       الأقوال التي أثرت عنه حينما بلغه مقتل علي رضي الله عنه.

·  على أن المسلم لا يشك لحظة في سلامة قصد الصحابة المعاصرين للفتنة، والواجب أن يكون على يقين من عدالتهم، وأن أحدا منهم لم يرد بشيء فعله غير الله والدار الآخرة، وكل ما هنالك أنه اجتهاد؛ للمخطئ فيه أجر، وللمصيب أجران.

 

 



(*) الهجمات المغرضة على التاريخ الإسلامي، د. محمد ياسين مظهر صديقي، ترجمة: سمير عبد الحميد إبراهيم، دار هجر للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 1408هـ/ 1988م.

[1]. عثمان بن عفان، د. علي الصلابي، دار الإيمان، الإسكندرية، 2002م، ص75.

[2]. عثمان بن عفان، د. علي الصلابي، دار الإيمان، الإسكندرية، 2002م، ص367.

[3]. انظر: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، د. محمد أمحزون، دار السلام، مصر، ط2، 1428هـ/2007م، ص237: 270.

[4]. حقبة من التاريخ، عثمان بن محمد الخميس، مكتبة الإمام البخاري، مصر، ط3، 1427هـ/ 2006م، ص158.

[5]. الكامل في التاريخ، ابن الأثير، دار الفكر، بيروت، د. ت، ج3، ص90 بتصرف يسير.

[6]. حقبة من التاريخ، عثمان بن محمد الخميس، مكتبة الإمام البخاري، مصر، ط3، 1427هـ/ 2006م، ص162.

[7]. أخرجه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة (2/ 573) برقم (969)، وأبو بكر الخلال في السنة (2/ 415) برقم (620).

[8]. علي بن أبي طالب، د. علي الصلابي، دار الإيمان، الإسكندرية، 2003م، ص211، 212.

[9]. حقبة من التاريخ، عثمان بن محمد الخميس، مكتبة الإمام البخاري، مصر، ط3، 1427هـ/ 2006م، ص173.

[10]. الدولة الأموية: عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، د. علي الصلابي، مؤسسة اقرأ، مصر، ط1، 1426هـ/ 2005م، ج1، ص101.

[11]. انظر: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، د. محمد أمحزون، دار السلام، مصر، ط2، 1428هـ/2007م، ص449 وما بعدها.

[12]. انظر: حقبة من التاريخ، عثمان بن محمد الخميس، مكتبة الإمام البخاري، مصر، ط3، 1427هـ/ 2006م، ص182: 184.

[13]. تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، د. محمد أمحزون، دار السلام، مصر، ط2، 1428هـ/2007م، ص469.

[14]. انظر: عثمان بن عفان، د. علي الصلابي، دار الإيمان، الإسكندرية، 2002م ، ص484: 487.

[15]. أصحاب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، محمود المصري، دار التقوي، مصر، ط1، 1423هـ/ 2002م، ج1، ص510: 516. وانظر: معاوية بن أبي سفيان، د. علي الصلابي، دار الإيمان، الإسكندرية، 2006م..

[16]. تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، د. محمد أمحزون، دار السلام، مصر، ط2، 1428هـ/2007م، ص454، 455.

[17]. الدولة الأموية المفترى عليها، د. حمدي شاهين، دار القاهرة للكتاب، القاهرة، ط2، 2005م، ص191.

[18]. الدولة الأموية: عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، د. علي الصلابي، مؤسسة اقرأ، مصر، ط1، 1426هـ/ 2005م، ج1، ص104، 105. وللمزيد انظر: حقبة من التاريخ، عثمان بن محمد الخميس، مكتبة الإمام البخاري، مصر، ط3، 1427هـ/ 2006م، ص185، 186.

[19]. ذكره ابن حجر في الفتح (13/ 86) وجود إسناده.

[20]. معاوية بن أبي سفيان، د. علي الصلابي، دار الإيمان، الإسكندرية، 2006م، ص200.

[21]. أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، محمود المصري، دار التقوى، القاهرة، ط1، 1423هـ/ 2002م، ص514 بتصرف.

مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 



 

سلسلة الحوار الحق



برنامج شواهد الحق



برنامج أجوبة الإيمان



برنامج حقائق وشبهات



برنامج الرد الجميل



مناظرات أحمد ديدات



التوراة والإنجيل والقرآن



حقائق قرآنية



لماذا أسلمت



آيات القرآن ودلائل القدرة



صيحة تحذير



لماذا أسلموا



علماء مسلمون



محمد الرسالة والرسول



محمد المثل الأعلى



  المتواجدون الآن
1554
  إجمالي عدد الزوار
4331411

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي

CopyRight BayanElislam
  Design and Development by Www.GoldenDeveloper.Com